في ظل هذه الحسابات السياسية المعقدة، كيف سيكون القرار السوري في حال فُرِضت عليه المعادلة السياسية الجديدة: الاختيار بين روسيا وإيران؟ إذا كان لكل خيار تكلفته الباهظة، فإنه يمكن القول وبشكل مباشر إن حتمية الاختيار ستكون لمصلحة إيران..

هل من معادلة سياسية جديدة تفرضها روسيا على نظام البعث في دمشق؟ وهل هذه المعادلة السياسية قابلة للتطبيق على أرض الواقع؟ قد تكون هذه التساؤلات بعيدة عن الواقع إذا كان منطلق التفكير فيها نظرياً، بحكم ما نشاهده من عمل جماعي يجمع هذه الأطراف الثلاثة على الأرض السورية، ولكن تصبح هذه التساؤلات منطقية وواقعية وواجبة العرض إذا كان منطلق التفكير سياسياً، ويهدف إلى خدمة المصلحة العليا لكل طرف.

بداية؛ يمكن القول إن هناك معادلة سياسية جديدة تعمل عليها روسيا، وتحاول فرضها على نظام البعث في دمشق؛ هذه المعادلة السياسية الروسية اتضح جزء من ملامحها العريضة بتصريح الرئيس بوتين خلال لقائه الرئيس الأسد في مدينة سوتشي في 18 مايو 2018م. فبحسب وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، فإن الرئيس بوتين ناقش مع الرئيس الأسد «الوضع في سورية، إضافة إلى إعداد الدستور الجديد للبلاد. كما صرح بوتين، خلال اللقاء، بأنه يجب خروج القوات الأجنبية من سورية بعد نجاحات الجيش السوري في محاربة الإرهاب، وبدء العملية السياسية». وهذا التصريح الذي تم خلال اللقاء الثالث الذي جمع الرئيس بوتين مع الرئيس الأسد منذ بدء الأزمة السورية تضمن توجهات سياسية روسية تجاه مستقبل الدولة السورية. هذه التوجهات السياسية، التي تعتبر معادلة سياسية تقوم على نقطة رئيسة مهمة جداً، وهي خروج القوات الأجنبية من سورية. وبما أن الرئيس بوتين يتحدث للرئيس الأسد وليس من الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن، فإنه يمكن التأكيد على أن هذه القوات الأجنبية في سورية لن تكون إلا القوات والميليشيات الإيرانية.

إذن؛ التوجهات السياسية الروسية تعمل على تحقيق معادلة سياسية جديدة في سورية، تقوم على الحد من النفوذ الإيراني فيها، من خلال مطالبتها بخروج قواتها من جميع الأراضي السورية؛ ويقابل ذلك تعزيز وجودها عسكريا وأمنياً، وكذلك تعزيز نفوذها سياسياً من خلال رعايتها المحادثات السياسية، والمشاركة في وضع دستور سوري جديد، ورعايتها العملية السياسية.

إنها معادلة سياسية جديدة، تهدف روسيا من خلالها إلى تغيير المعادلة السياسية القديمة، التي كانت قائمة منذ تولي بشار الأسد السلطة عام 2000م. فهل يمكن تطبيق هذه المعادلة السياسية الجديدة على أرض الواقع؟

ليس من السهل القول إن روسيا لن تستطيع تحقيق هذه المعادلة السياسية الجديدة على أرض الواقع، ولكن واقع الحال السياسي يفرض هذا القول لسببين رئيسين: السبب الأول أن الوجود الإيراني في سورية أخذ أبعاداً متعددة وأشكالاً متنوعة وأساليب مختلفة. فإذا كانت العلاقات الإيرانية – السورية قد أصبحت قوية جداً بعد وصول الخميني إلى السلطة عام 1979م، فإنها تطورت كثيراً بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000م، وتقدمت جذرياً بعد 2011م حتى شملت كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والمالية والأمنية والاجتماعية والثقافية وغيرها من الجوانب. لذلك فإنه من الخطأ الاعتقاد أن إنهاء الوجود الإيراني عسكرياً وأمنياً في سورية سيؤدي إلى نهاية وجودها في سورية. والسبب الآخر أن نظام البعث في دمشق يرى أن تعزيز العلاقات مع إيران، يعني قدرة أكبر على المحافظة على بقائه واستقراره وخدمة مصالحه داخلياً وإقليمياً؛ فإيران تقدم له الدعم السياسي والعسكري إقليمياً، والاقتصادي والمالي والأمني داخليا، والإيديولوجي داخلياً وإقليمياً.

إذن؛ في ظل هذه الحسابات السياسية المعقدة، كيف سيكون القرار السوري في حال فُرِضت عليه المعادلة السياسية الجديدة: الاختيار بين روسيا وإيران؟ إذا كان لكل خيار تكلفته الباهظة، فإنه يمكن القول وبشكل مباشر إن حتمية الاختيار ستكون لمصلحة إيران. فالحسابات السياسية السورية ترى أن ما تستطيع تحقيقه من خلال علاقاتها الاستراتيجية مع إيران، يفوق كثيراً ما تستطيع تحقيقه من خلال علاقاتها المتقدمة مع روسيا. فنظام البعث يرى أن تقاربه مع روسيا على حساب إيران سيكلفه كثيرا داخلياً وإقليمياً، ولن يمنحه منافع داخلية ودولية أكثر مما حصل عليه، بينما تقاربه مع إيران على حساب روسيا سيعزز استقراره الداخلي وموقعه الإقليمي، ولن يؤدي إلى خسارة روسيا التي لن تتخلى عن سورية بأي حال من الأحوال.

وفي الختام؛ من الأهمية القول إن سورية الأرض العربية ستبقى عربية، وإن الشعب السوري سيبقى شعباً عربياً أصيلاً وفياً لعروبته مهما كانت توجهاته السياسية والثقافية. فجميع السوريين بمن فيهم أبناء حزب البعث أدركوا أن كرامتهم وعزتهم بعروبتهم وبقربهم من أبناء وطنهم العربي؛ وجميع السوريين بمن فيهم أبناء حزب البعث تعلموا من خلال التجربة أن رهن الوطن للإيرانيين مذلةٌ داخلياً وهوانٌ خارجياً.