تعج مواقع التواصل الاجتماعي بالغث والسمين، وأحسب أن الغث فيها يغلب على السمين، بل إن السمين ليس كله شحماً ولحماً، فقد تشوبه الأورام.. حيث لا رقابة فعلية على ما يطفح في جوالاتنا، والله لطيف بعباده.

صورة لحادث مروري قد تكون شيئاً عادياً في الواتساب، لكن غير العادي أن يرفق صاحب الصورة لقطته المصورة بتفاصيل هي من نسج خياله لا أكثر، فيشير إلى أن ضحايا الحادث أسرة كاملة من خمسة أشخاص، أو أن السائق كان يمارس التفحيط، في حين تكون كل تلك المعلومات مغلوطة، ويتم تداول الصورة مع ما يصاحبها من خيالات المرسلين، لتصبح الصورة رواية لا يعلم نهايتها إلا الله سبحانه وتعالى.

يقيناً إن الكثير من الجهات الرسمية كأقسام العلاقات العامة والأجهزة الأمنية قد تضاعفت مهامها بشكل مهول بعد الانفجار الاتصالي والمعلوماتي، فهذا الفيضان العارم من المحتوى الناقل للمعلومة يحتاج أحياناً لتبيان الحقائق حوله، أو ردع من يضر بالمجتمع والأمن الاجتماعي، ونكاد نلحظ يومياً تفاعل الكثير من الجهات مع ما يصل الناس من سيل المعلومات العارم، والاجتهاد المنهك في إظهار الحقائق ومتابعة ما يجري.. وهو جهد جبار لا يمكن إلا أن نثني عليه وعلى من يقفون خلفه.

كما أن القوانين لم تقف مكتوفة الأيدي مما يجري، فهناك تجريم يقع على مرتكبي الأعمال المضرة بالأفراد والمجتمع من خلال وسائط التواصل الاجتماعي، وقد شكلت تلك القوانين سياجاً رادعاً للكثيرين يمنعهم من الخوض في خصوصيات الناس وأعراضهم وسمعتهم.

مع كل ذلك، تبقى مواقع التواصل الاجتماعي بؤراً مفخخة يمكن أن يتضرر منها أي شخص، فلا القوانين تقضي على تجاوزات البعض وخيالاتهم المريضة، ولا الرادع الأخلاقي يتوفر بالقدر الكافي لدى الجميع، ثم إن الناس ليسوا متفرغين للرد على كل همسة وتلميحة وتلويحة تقال في شأنهم، خصوصاً الشخصيات العامة وأصحاب المكانة الاجتماعية أو الإعلامية أو التنفيذية، مما يجعل الأضرار الواقعة عليهم جسيمة وبلا ردع يتناسب وحجم الأذى الذي يترتب عليها.

لذلك لم يبق إلا تكريس الوعي في المجتمع بمدى خطورة التجاوزات الإسفيرية، وتضمين ذلك في أوعية التحصيل الدراسي؛ لنحافظ على النشء بعيدين عن هذا الدرك الضار بالمجتمع وأفراده، كما أن التوعية الإعلامية المستمرة تساعد في بلورة رأي عام واعٍ بما يجري، ومدركٍ لمخاطر المعلومات الكاذبة والمضللة.

إن الأسف يبلغ أشده حين تتطاول التجاوزات لدرجة التحريف في الأحاديث النبوية، أو التضليل بالمعلومات المشبوهة، أو التعبير عن الشطح الفكري بدرجة تهدد العقائد أو تزعزع المجتمع، لتصبح مواقع التواصل الاجتماعي أحد المهددات الأمنية، بدلاً من أن تكون وسيلة لترسيخ الوعي والمعرفة وتقوية الجبهة الداخلية وحماية النسيج الاجتماعي من أي مكروه.

على أية حال ليست الصورة قاتمة جداً، لكن الحذر واجب، خصوصاً أن الأجندة المشبوهة تتربص بوطننا، حمى الله بلادنا وشعبنا من كل مكروه.