لا تخطئ العين مدى الجهود العظيمة المبذولة لخدمة قاصدي بيت الله الحرام، من هذه الدولة المباركة، التي سخّرت كل الإمكانات لتحقيق مقتضى لقب خادم الحرمين الشريفين الذي شرّف الله به ملوكنا، وهذا ما ظهر أثره جلياً في نفوس المسلمين، الذين تراهم يلهجون لله بالدعاء لهذه البلاد وحكامها بالتوفيق والنصر..

من كريم فضل الله سبحانه عليَّ أن يسّر لي أداء العمرة في العشر الأواخر من رمضان، وإدراك ليلة السابع والعشرين في بيت الله الحرام، وقد جاءت هذه الرحلة الإيمانية عامرةً بالكثير من المشاعر والمشاهدات والمواقف، التي كان لها عظيم الأثر في نفسي، ورأيت مناسبة مشاركة القارئ العزيز بها، لأنه مع يقيني أن ما رأيته قد شهده غيري ملايين المسلمين الذين عاشوا هذه التجربة الإيمانية في نفس التوقيت، إلا أن لكلٍ منا زاويته الخاصة التي ينظر من خلالها إلى الأشياء والأحداث، كما أن تأثيرات هذه المواقف تختلف باختلاف الناس.

ويمكن تلخيص هذه المشاهدات فيما يلي:

أولاً: ما من مسلمٍ يزور بيت الله الحرام، وتبدأ خطواته تقربه من الدخول إلى ساحات هذا المكان العظيم المقدس، إلا وتبدأ خفقات القلب بالتصاعد، والمشاعر بالاستثارة، حتى يصعب على الإنسان التحكم في ردة فعله، التي تمتلك كل حواسه وتظهر آثارها في عينيه، ومن العجب أن هذا الأثر الإيماني لا يتغير ولا ينقص رغم تكرار زيارة البيت العتيق، بل في كل زيارةٍ يصبح المسلم أسير هذه المشاعر، وكأنه يرى البيت الحرام لأول مرة، مصداقاً لدعوة إبراهيم الخليل - عليه السلام - (فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم) أي تحنّ وتشتاق لهذا البيت.

ثانياً: كنت فيما مضى من عمري لا أفضل أداء العمرة في رمضان - سيما في العشر الأواخر -؛ لأني كنت أفتقد الخشوع ولذة العبادة وسط الزحام الشديد، حين تموج صفوف الناس ويتدافعون، ويضيق المكان عن أن يجد فيه الإنسان موضعاً مناسباً يتخذه للصلاة والدعاء بسكينة، وقد مضت عليّ سنواتٌ طويلة لم أخض تجربة العمرة في رمضان لهذا السبب، وحين نازعني الشوق هذه السنة إلى مكة، تذكرت ذلك، وفكّرت ملياً أن أؤجل العمرة لما بعد رمضان، وحدثتني نفسي أن الصلاة في مسجدٍ من مساجد الرياض التي أرتاح لقراءة الإمام فيها، قد تكون أكثر خشوعاً وأدعى للسكينة من خوض الزحام الشديد في مكة، والخشوع هو لبّ العبادة، إلا أن الشوق للحرم غلبني فذهبت، وكانت المفاجأة أني رميت بنفسي وسط الزحام الشديد، وواجهت بعض الصعوبات، والقلب يكاد يرقص فرحاً، والمشاعر الجياشة تغمرني حتى أنستني ما حولي من زحامٍ ومكدرات وعوامل تشويش، ولا أعلم سبباً لذلك إلا أنه قد يكون لكل مرحلة عمرية خصائصها، وأن تجربتي في بداية الشباب تختلف عن التجربة بعد الأربعين، فقضيت أياماً أموج وسط صفوف المصلين والطائفين، وأضع سجادتي في بقعة لا تكاد تكفي للسجود، وكأني أهيم في قصر مشيد، وأنعم بألذ متع الحياة، وعلمت حينها أن الإنسان متى استغرق في مشاعر الإيمان، وعلّق قلبه بتجليات العبادة، أنه يغيب تماماً عمّا حوله من منغصات وعوامل تشويش، حتى لا يكاد يشعر بما حوله.

ثالثاً: في مشهد إيماني عظيم يستدر الدموع، لا يتمالك المسلم نفسه وهو يرى هذه الجموع الغفيرة من المصلين المتكدسين بأعداد مهولة في ساحات الحرم وأروقته، رغم هول الزحام وضيق المكان، لا يجدون في أنفسهم أدنى ضيقٍ من تجاورهم، ويفيض بعضهم على بعضٍ بالرحمة والمحبة، ثم إذا أقبل وقت الإفطار وجدتهم جميعاً وبلا استثناء، يتسابقون ليخرج كلٌ منهم ما في جعبته من طعام وشراب؛ ليشاركه مع من حوله قلّ أو كثر، حتى والله رأيت الكثيرين لا يحملون إلا بضع تمرات، أو وعاء ماءٍ أو لبن، أو قطع خبز، ثم يبدأ في تقسيمها على من حوله، فلا حامل الطعام القليل يمنعه عن الكرم به، ولا الجالس جواره يستنكف أو يتردد في قبول مبادرة أخيه، حتى ترى الفقير شديد الفقر، قد يجود بالتمرات أو كأس الماء أو القهوة على الغني شديد الغنى الذي يجلس جواره.

إنه مشهد إيماني يعجز البيان عن وصفه، وتقف البلاغة عن بيان أثره في نفس المسلم، وفي ذلك ما يكفي لأن تتعالى في نفوسنا مشاعر الأمل بحياة هذه الأمة المرحومة، وأن الخير فيها باقٍ إلى قيام الساعة.

رابعاً: لا تخطئ العين مدى الجهود العظيمة المبذولة لخدمة قاصدي بيت الله الحرام، من هذه الدولة المباركة، التي سخّرت كل الإمكانات لتحقيق مقتضى لقب خادم الحرمين الشريفين الذي شرّف الله به ملوكنا، وهذا ما ظهر أثره جلياً في نفوس المسلمين، الذين تراهم يلهجون لله بالدعاء لهذه البلاد وحكامها بالتوفيق والنصر، وأن يجزيهم الله خيراً على ما يقدمونه للحرمين، وهذا من أعظم ما يحقق للمملكة عمقها الإيماني في قلوب المسلمين في العالم.