منذ عشرات السنين ونحن نتسلى بمشاهدة الدراما العربية والعالمية وندعمها بالاشتراك في قنواتها المشفرة ولا نجد غضاضة في مشاهدة أمراض الآخرين التي تعرضها. أما الدراما الوطنية فلا نعطيها ما تستحقه بسبب حساسيتنا من مشاهدة أمراضنا فيها بل نعتبر ذلك عيباً ولذلك نحاصرها وبعضنا بالإضافة لأسباب أخرى يشن الحروب الشعواء عليها.

لكل هذا لم تتطور الدراما الوطنية والنتيجة أننا خسرنا اقتصادياً فهي رافد للاقتصاد ونحن كنا مستهلكين لا منتجين، لكن الأهم خسارتنا الثقافية والاجتماعية بل والدينية لأننا ونحن نستهلك إنتاج الآخرين الدرامي كنا دون أن نشعر نتأثر بسلوكهم وننساق لتوجيهات قادة الرأي عندهم، أي أن المجتمعات الأخرى تؤثر فينا في حين كان في الإمكان لو نشطنا الدراما الوطنية أن يكون الدور الأكبر في التأثير علينا لمثقفينا وقادة الرأي عندنا، وسأذكر نموذجاً للأضرار الناتجة من استمرارنا في عزل فنوننا والانفتاح على فنون غيرنا وهو أننا تعودنا على لهجات الآخرين في الدراما فأصبحت هي المستساغة المستحبة المحترمة أما لهجتنا فلم تعد تستهوينا بل ربما أصبحنا نشعر بخفة أي حوار يكون بها فلا يكتسب احترامنا وربما يكون ضعف الحوار سبباً لكن حتى هذا هو أيضاً نتيجة عدم إعطاء الدراما الوطنية ما تستحقه من الاهتمام.

لا شك أن هذا الانفتاح الاجتماعي الذي نمر به الآن أمر جيد وستكون له آثار إيجابية لكن المهم كبداية طريق لتطوير الدراما الوطنية الاقتناع الاجتماعي بأهمية دورها وكونها أداة فعالة لمعالجة أمراضنا فهي مثل المرآة التي يقف الواحد منا أمامها في اليوم عدة مرات ليرى عيوبه بمعنى أنه يفترض ألا تهتم بالإيجابيات بقدر اهتمامها بالسلبيات. وهي مثل المعلم والمرشد بل ربما أبلغ أثراً لأن الإنسان يتأثر بها وهو يتسلى بمشاهدتها أي أنها تعلم وتوجه بطريقة مرغوبة غير مباشرة، وهي في الوقت نفسه تهدم وتضر وتدمر بالطريقة نفسها، ومن هنا تأتي أهمية أن يكون لنا دراما وطنية جيدة مؤثرة منتجة من قادة رأي وطنيين مأمونين بعكس الحال حين نكون فريسة لإنتاج الآخرين من كل حدب وصوب مع التسليم بأهمية الانفتاح وفوائد الاطلاع على النماذج الجيدة للدراما العربية والعالمية.

طريق تطوير الدراما الوطنية يبدأ بخطوة وهي خطوة المجتمع أي اقتناعه بأهميتها وخطورتها البالغة فدعونا نخطو هذه الخطوة لنضمن أن تكون الدراما التي نكثر مشاهدتها دراما مفيدة بانية.