يثير الجدل عالم الاقتصاد الفرنسي توماس بيكيتي Thomas piketty من مواليد عام 1971، والذي يحمل درجة الدكتوراه في الاقتصاد والحاصل على جائزة أحسن اقتصادي شاب في فرنسا عام 2002 و جائزة إيجرو يانسون عام 2013، و لقد تصاعد نجمه عالمياً في مجال الاقتصاد السياسي، و صار يُعْتَدُّ برأيه في القضايا الدولية، وتلفت مؤلفاته الاهتمام وتدرس في الجامعات مثل كتابه الذي يحمل عنوان: «مشكلة الهوية Conflict of identity» أو كتابه «الرأسمال في القرن الـ 21» والذي يحلل فيه تشكل الثروات وتوزيعها، في الاقتصاديات الرأسمالية، خلال الـ 250 سنة الأخيرة.

هذا ويتصدر توماس بيكتي مؤخراً برامج التحليلات الاقتصادية خصوصاً بمناسبة صدور كتابه «اللا مساواة العالمية Inégalités mondials» حيث تتمحور دراساته حول الثروة واللا مساواة أو التفاوت في الدخل في العالم، ويذهب في كتابه الأخير للاعتقاد بأن الهوة تتسع واللا تعادل يزداد فداحة بين الفقراء والأغنياء في العالم حيث يتحول الأثرياء لما يشبه عين إعصار تلتهم المزيد والمزيد من ثروات العالم، ولقد أثبتت الإحصائيات أن الـ10 ٪ الذين يشكلون أغنياء العالم كانوا يملكون 30 ٪ من الثروة العامة بينما الآن تصاعد الأمر فصاروا يملكون 50 ٪، وهي زيادة لا يستهان بها، لأنها تعني أن نصف الثروة الكونية بيد 10 ٪ من سكان العالم بينما يقتسم نصف الثروة الكونية 90 ٪ من البشر. مما يعزز الفجوة بين الفقراء والأغنياء بينما تتآكل الطبقة الوسطى وتختفي مما يؤثّر على صحة الاقتصاد، لأنه من المعروف أن الطبقة الوسطي هي التي تستهلك وتخلق بذلك الديناميكية في الاقتصاد، بينما الطبقة الغنية تملك كل شيء والطبقة الفقيرة لاتملك الدخل الذي يمكنها من الاستهلاك.

وهذا أحد أسباب استفحال التطرف في عصرنا الحالي بأرجاء مختلفة من الكرة الأرضية، واتخاذ التطرف لأشكال مختلفة ابتداءً من صعود نجم وزيادة شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة وانتهاء بظهور جماعات الإرهاب المختلفة الدوافع. لأن الناس غاضبون بسبب تدني دخولهم وعندما يتصاعد الغضب يميل الناس للتطرف. بل وإن اللا تعادل الاقتصادي والاجتماعي يعد من أحد أسباب فوز الرئيس الأميركي دونالد ترمب لكونه وعد بالالتفاف للمنسيين والفقراء.

ولعل من أكثر آراء توماس بيكتي إثارة للجدل اقتراحه سن ضريبة عالمية تضامنية على الثروة، بحيث لا يجد الأغنياء مفراً من دفع ما يجب عليهم دفعه للنهوض بمسؤولية الثروة وتوظيفها لخدمة البشرية عامة، لتحسين أوضاع من هم أقل حظاً.

إنه حلم روبن هود الأزلي بالاقتطاع من ثروات الأغنياء لإنقاذ المعدمين، وسيظل حلماً أقرب للمستحيل في التطبيق بالواقع. وحتى أوان تحقق ذلك الحلم يتصاعد الغضب وحركات التطرف والانفصال عن الحلم العام للبشرية بالسلام والتكافل والازدهار.