.

لقد شكلت قمة مكة تعبيراً قوياً مفاده أن الأردن جزء لا يتجزأ من أمن الخليج العربي، وأن دول المنطقة ستجد في المملكة العربية السعودية، السند القوي وجدار الصد المنيع ضد جميع أشكال الاختراق والانقلاب ودعوات التشكيك والتفتيت..

«إذا طالعت تاريخ الدول، فإنه يسهل عليك فهم وتوقع سياسات القوى العظمى»

أردان دوبيك

على امتداد قرابة قرن من الزمان، لا بد للمتابع أن يسجل ذلك الانسجام والثبات في منظومة صناعة القرار السعودي. حيث ظلت الرياض وفية لخطها السياسي والتزامها الديني والقومي العروبي. وإذا كان البعض أفاض في مدح المواقف الأخيرة التي سجلتها المملكة في تدبيرها للأزمة التي يعيشها الشارع الأردني، ووصفها بـ»التاريخية»، فإننا نعتبرها معطى عادياً وعنواناً ثابتاً في محددات صناعة القرار السعودي، بل ونجدها، وبدون مبالغة، جزءاً من البنية السلوكية التي تحددها جينات المواطن السعودي.

ولعل المُطالع لتاريخ المملكة ومواقفها من القضايا الكبرى للأمة وكذا استنفارها الدائم للحفاظ على لحمة البيت الخليجي والعربي، لا يمكن أن تفاجأه مواقف المملكة تجاه ما تشهده المملكة الأردنية الهامشية.

في هذا السياق، جاء الاجتماع الرباعي في مكة المكرمة بـمبادرة كريمة من خادم البيتين، واستجابة خالصة من دولتي الإمارات والكويت ليتدارس إمكانية خروج الأردن من نفق الأزمة الاقتصادية التي ألمت به، وفق مخرجات تراعي، بالأساس، الاستجابة لمطالب الشعب الأردني الشقيق، مع العمل على الحفاظ على البنية المؤسساتية للمملكة الأردنية وتماسكها، بما يفوت الفرصة على أعداء المنطقة والمتربصين بها والذين ينتظرون أول فرصة لإحداث حالة من الإنهاك والنكاية في أفق خلق مناطق للتوحش يسهل الانقضاض عليها من طرف التنظيمات المتطرفة في شقها السني والشيعي.

لقد أرسلت قمة مكة إشارات قوية مفادها أن المملكة العربية السعودية كانت وستبقى القائد الأمين للمنطقة، والحاضنة السياسية والدينية والاقتصادية لبلدان العالم العربي والإسلامي، وهي حصن المسلمين الحصين ضد جميع المحاولات التي تحاول تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، في بيئة إستراتيجية معقدة ومتقلبة وتحديات إقليمية تفرض الالتفاف على مركز ثقل العالم العربي والإسلامي لرد الهجمات اليومية التي تحاول إضعاف الجبهة السنية عبر محاولة إخضاع المملكة العربية السعودية حاملة لواء الإسلام السني المعتدل.

كل هذه الإكراهات دفعت بجميع الأصوات الحرة إلى الإسراع بالتنويه بالنتائج الإيجابية التي تمخضت عنها القمة، وما تم الإعلان عنه من رزنامة قرارات تهدف إلى دعم اقتصاد المملكة الأردنية الهاشمية، وهو المعطى الذي جسد روح الأخوة والتكاثف في مواجهة التحديات المشتركة خلال هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة العربية.

على الجانب الآخر، لم نسجل أية ردة فعل إيجابية من الجانب القطري، والذي حاول، كعادته، ركوب صهوة الاحتجاجات الشعبية وتوجيه سهام النقد لدولة المقاطعة متهماً إياها باستهداف وحدة الأردن لاعتبارات غريبة لم نستطع تلمسها على أرض الواقع اللهم بعض الخرجات لبعض الأبواق المحسوبة على الدوحة وبعض التغريدات لحمد بن جاسم آل ثاني وزير الخارجية الأسبق، والذي أشار بأصابع الاتهام إلى دول المقاطعة بالضلوع في أحداث الأردن، في استقراء للأحداث ينم عن جهل كبير بمحددات السياسة الخارجية لدول الخليج العربي، وتعبير سياسي سقيم، حيث قال «ما يجري في الأردن أرجو ألّا يكون مخططاً من دول قريبة، وذلك للضغط على هذا البلد الآمن للقبول بصفقة القرن، أعرف معاناة الشعب الأردني، وأعرف شحّ موارد الأردن، التي تحتاج منا جميعاً الوقوف معه».

قمة مكة أطلقت رصاصة الرحمة على جميع الادعاءات والاتهامات وأكدت، لأصحاب النفوس السيئة، بأن الرياض لها مواقف ثابتة ومبدئية ولا يمكنها الركوب على معاناة شعب شقيق لتحقيق أجندات سياسية كما هو حال باقي القوى الإقليمية والتي ترى في تأزيم الوضع السياسي والاجتماعي مدخلاً لوضع اليد على البلدان العربية والإسلامية مستغلين، غالباً، استعداد التنظيم الإخواني لخوض مواجهات بالوكالة للوصول إلى مرحلة «التمكين» داخل هذه الدول ولو استدعى الأمر إعلان الولاء لقوى إقليمية لها أطماع توسعية واضحة في المنطقة.

لقد شكلت قمة مكة تعبيراً قوياً مفاده أن الأردن جزء لا يتجزأ من أمن الخليج العربي، وأن دول المنطقة ستجد في المملكة العربية السعودية، السند القوي وجدار الصد المنيع ضد جميع أشكال الاختراق والانقلاب ودعوات التشكيك والتفتيت.

من جانب آخر، شكلت القمة رسالة قوية إلى الشعب الأردني الشقيق، مفادها أن علاقات الأخوة والصداقة ورابطة الدين والعرق التي تجمع دول المنطقة، أكبر بكثير من أن تهزها الأكاذيب والشائعات والتلفيقات التي تحيكها الأجهزة الإعلامية المعلومة والمجروحة في مهنيتها.