الإسلام دين السلام، ومنهج حياة مثالي لكل مجتمع ولكل زمان، وتطبيق ما جاء به يضمن السعادة للفرد وللمجتمع في الدارَين. ولكن إبليس خُلق قبل آدم ولن يموت الآن، ومشكلتنا مع طول عمره ليست الحسد، بل ما حركه من حسد، وما صرح به وأظهره لنا بعد عدائه لأبينا عليه السلام. أخرجنا من الجنة، نزل ببذرة الحسد من العلو ليزرعها في الأرض وفي نفس أول أبناء آدم، فكانت ثمرتها القتل. القتل أكبر جريمة تقع فيما بين بني البشر، لما فيها من إنهاء حياة، وحرمان أسرة ومجتمع من قريب، وقطع نسله، ومنعه من سبب خلقه (عبادة الله)، لذلك حُرِّم أشد ما تحريم. لكن الشارع الحكيم لم يقف بعد حدوث جريمة القتل، بل وضع حلولاً، لتستمر الحياة ويَعُمّ السلام من جديد.

أولاً، ليس هنالك مبرر ليقتل شخص شخصاً عمداً، هنالك من يمثل القانون في كل زمان ومكان. قتل القاتل حق لأولياء الدم، «ولكم في القصاص حياة»، وإلا لاستشرى الثأر، وما صلحت الحياة، ولا أمن أحد من أن يُقتل بجريرة غيره. ولكن إن حصل القتل فما الحل؟ ثلاثة خيارات ربانية عادلة كافية كفيلة بإنهاء المشكلة، طبعاً إن كانت المطالبة بالحق المستحق، لا طمع التكسب المادي. إما المطالبة بقتل القاتل قصاصاً، أو قبول بالدية المقدرة بألف من الإبل، (حالياً 400,000 ريالاً) أو العفو لوجه الله تعالى. أي اختيار خارج هذه القائمة ليس من الحق في شيء. أتفهم جيداً شعور ذوي المقتول من حزن وحرقة، واتفهم تلهف ذوي القاتل لحفظ دم ابنهم، ولكن ذلك لا يبرر ما وصلت له طلبات الديات هذه الأيام. من لا يُريد العفو لأي سبب، فله الدم، ومن أراد حفظ دم القاتل لأي سبب، فله الدية الشرعية، ومن أراد وجه الله، عفا عفواً غير مشروط، ما نراه تجارة، وبئس البضاعة الدم.

الجريمة تمت، والجرم ثابت، والقاتل مرهون بكلمة، وأقارب القاتل تعرض الملايين، وأقارب المقتول تقايض دم القاتل بالمال، والصحيح أن دم المقتول ما يُعرض للخيارات الثلاثة لا العكس. بعد كل جريمة قتل، نرى الإحراجات لذوي المقتول والتي تتعدى السِلم والعرف، وتصل لحد الإيذاء، أحدهم توقف عن الصلاة في المسجد لما يجده من إحراج في طلب تنازله عن دم ابنه. نحن في مجتمع قبلي، تلعب فيه الجماعة دور كبير، وهي ميزة، قد تنقلب عيباً في بعض الأحيان. تُستخدم الآية المشهورة «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا» مع كل رسالة بهدف جمع مبلغ دية، ولقد فسرها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله بقوله «من كان السبب في رفع القتل الظلم عن شخص مظلوم ليُقتل كان كمن أحيا الناس جميعاً».

لست ضد العفو الذي هو من شيّم الكرام، فكيف وهو عن دم؟ ولكن ما أرجوه ألا نؤمن بنصف التشريع، وأنصاف الآيات، ولنقرأ «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا». تسمى سورة الزلزلة بالجامعة وفيها «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ» وكما أن فيها «وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ». يجب أولاً علاج جذور المشكلة، ثم يجب النزول عند ما أنزل الله، وأخيراً «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، وقد يكون قانونٌ كفيل بإنهاء تحويل مشكلة إلى مشاكل أخرى.