في إحدى المدن الفرنسية اتجهنا لأداء صلاة الجمعة، وقد حضرنا باكراً فكانت فرصة للقاء عدد من العاملين في المسجد والتجول في مرافقه، ولفت نظرنا خلال الجولة التي تشرفنا بها وجود العشرات من الأثواب الخليجية والمغربية «الجلابة» المعلقة في مدخل المسجد وهي في حال لا يسر، مهترئة وغير نظيفة.. وما إن اقترب موعد الصلاة حتى بدأ المصلون بالتسابق على ارتداء هذه الملابس استعداداً لأداء الصلاة؟!.. وأنا الذي كنت أحسبها معلقة بانتظار محتاج يأخذها كصدقة تستره وتقيه العوز، لنجد أن عدداً كبيراً من المصلين يرتدون هذه الأثواب ويربطونها بأدائهم للصلاة، وبينما ارتدى المقتدرون أثواباً جلبوها من البيت نظيفة، اضطر القادمون من أعمالهم لارتداء الأثواب المعلقة فوق زي العمل الرسمي..

لو قلت لهم ما زينتكم في هذا البلد فإنهم حتماً سيتكلمون عن البدلة مع ربطة العنق، ولن يقولوا إنها الثوب الخليجي أو الجلابة؛ وهم يعلمون معنى قوله تعالى «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ».. وكذا التحذير من «لباس الشهرة».

الشيخ صالح‏ الفوزان قال في لقاء متلفز بالصوت والصورة إن: «أصوات (المايكروفونات) مصيبة يشكو منها كثير من الناس؛ لأن بعض الأئمة - هداهم الله - يرفعون صوت المكبر خارج المسجد ليُسمع الشوارع والبيوت والأسواق ويضج البلد، وهذا لا فائدة منه بل فيه أذى للبيوت والمرضى ولمن يصلون في بيوتهم».. ومع ذلك مازال البعض يصرون على رفع صوت المايكروفون دون اكتراث بتعليمات وزارة الشؤون الإسلامية المسؤولة عن توظيفهم وعن إدارة المساجد، حيث نشاهد في الواقع أن أحداً من الأئمة لم يلق لتعاميمها السابقة أدنى استجابة.. وبالتأكيد هذه مسؤولية الوزارة لكنها أيضاً مسؤولية جماعة المسجد الذين يعتقدون أن مناقشة الأمر كبيرة من الكبائر.. حتى وهم يشاهدون إمام مسجدهم يجامل بعض أصدقائه بعد صلاة العشاء مثلاً ليلقي عليهم محاضرة تبدأ بالوعد بأن لا تتجاوز خمس دقائق وتنتهي بعد ثلاثين دقيقة وباستخدام كل المايكروفونات والوسائل الداخلية والخارجية!!.

الدروشة ثم لاحقاً الانحرافات العقدية تنتشر بالتغاضي والمجاملة والعمل بحسن الظن والنية وفتح الباب للدجالين والمدلسين والشعبويين، لكنها تنطمر وتتوارى عندما تجد الحزم الإداري والفقهي الذي يقطع الطريق عليها ويعيد الأمور إلى صوابها وفطرتها، وهذه في الغالب ميزة «سلفية» حيث الكثير من المظاهر المنتشرة في بعض المذاهب والمدارس تجد المنع والتحريم وهذا يحسب لها، لأن الغاية هي الوصول إلى صفاء الاعتقاد ونقاء العلاقة المباشرة بين العبد والخالق سبحانه وتعالى بعيداً عن الوسطاء والسلوكيات والمعتقدات الدخيلة على العقيدة الصافية.

وهذه - بلا شك - اليوم مسؤولية معالي وزير الشؤون الإسلامية د. عبداللطيف آل الشيخ بأن يوقف بما لديه من صلاحيات ودعم كبير ثقافة المجاملات وأنصاف الحلول ومداراة الجماهير.