يقول إبراهيم نصر الله: «كان لابد من موت كبير، موت غير عادي، كي يمنعك من الوصول إلي».

خزانة أردية الموت ملآنة، يرتدي الأحمر إن النفس قتلت، يتسربل بالسواد إن زهقت خنقاً، ويبهت بياضاً إن زالت الحياة.

ملامحه متعددة وأعماره كثيرة.. حتى حضوره ليس دائم الهيبة، فهناك موت عادي وهناك الاستثنائي والكثير من الوفيات الصغيرة.

فثنائية الحياة والموت تبدأ مع كل بداية ونشوء، وتحتم الطبيعة لها الانقضاءات، ففناء الإنسان كلياً حقيقة مسلّم بها إلا أن الموت لا يأتي هكذا مرة واحدة، فهو يبعث بصغاره منذ اليوم الأول من الحياة كتداعيات صغيرة تمهد لقيامته.

يقول محمود درويش: «إن ثلاثة أشياء لا تنتهي أنتِ والحب والموت..»

لا ينتهي ومستمر في الحدوث دون توقف طالما أن هناك جدالاً وصراعاً بين إرادة حياة وبينه، ولهذا يتراءى لي أن لكل شيء عمراً افتراضياً، للمشاعر وللآراء، للمواقف العاطفية كالخصومة والحب وحتى للموهبة والعلاقات الاجتماعية مثل الصداقة والزواج، ولكل بداية!

سوف يقدر الإنسان حين يعي هذه الحقيقة أن يتعلم كيف يتعايش مع هذه النهايات. سوف يُشفى ويَبني نفسه من جديد كولادة جديدة، سيعود يتشكل مجدداً ولكنه لن يعود هو ذاته السابق.

ولهذا فإن جهل هذه الأحجية قد تجعله في منطقة وسطى تمثل جحيم التمني والمحاولات المستبسلة لإحياء ما قد انقضى، فغموض الموعد الأخير كان ومازال المحرك لحب البقاء لدى الإنسان كنزعة تحتم عليه أن يسعى للاستمرارية رافضاً ومحتجاً على النهاية، وما إن أخذه الكبرياء والتوق إلى السيطرة والتفوق حتى تاه في غياهب، كلما خرج منها عاد ليسقط بها من جديد.

فالفنانون مثلاً يحدث أن يكرروا أنفسهم مقفرين بعدما كانوا يبتدعون الجديد ويخلقون الجمال من اللاشيء، وتستحيل الأجساد إلى جذوع امتصت رحيقها الأمراض غائبة عن الحياة وماتزال على قيدها، ولا يعد الصديق القديم يلائم ما أصبحنا إليه، ولا يعد الزواج بعد إتمام غايته أن يكون وثيقاً، تنهار وتتصدع دول كانت في عظمتها يظن أنها لن تبيد.

تتداعى وتتفكك الأشياء في ما وراء المشهد الذي أمامنا دون أن نشعر، هذا لأننا في تغير وتطور مستمرين بهما يتسرب الكثيف ويبهت بسطوتهما الزاهي، يحدث هذا لكي تُبعث فينا حيوات جديدة وفي كل الأشياء بتفاصيل ممزوجة من كل الأزمنة؛ ماضينا، حاضرنا والمستقبل، هذه هي الثنائية ولا مفر منها.

سيلتهم النسيان كل الذي قمت به، حتى أعظم أعمالك ستخبو، وتنطفئ أشد ثوراتك، وقد يبقى منها بعض الشعور وقليل من الذكرى.

إن أنت استطعت أن تجعل في كل الحيوات التي ستحياها جودة ومتعة وتدرك بالوعي متى عليك أن تتوقف فإن أعمارها الافتراضية ستطول وسيكون هذا هو استثمارك الرابح في أن تمضي في رحلة الحياة بسلام وبأقل الخسائر والإحباطات الممكنة.