دعا الروائي والكاتب محمد المزيني إلى طوي صفحة الروايات السابقة التي اعتمدت على التيبس الاجتماعي كمادة للخوض في سردية العمل الروائي، متطلعاً إلى روايات تتعامل مع عالم يتحرك وعالم جديد مختلف، وقال في حواره لـ «الرياض»: إن الناس متعطشون لأن يقرأوا أعمالاً منطلقة مجنحة مختلفة، فالواقع للرواية التي تفلسف ما يحدث اليوم وتوجد مزيداً من الأسئلة وتشارك أيضاً في طرح الأجوبة، فإلى تفاصيل أكثر في هذا الحوار..

  • هل لعبت الرواية دوراً في تغيير بعض الأفكار داخل مجتمعنا السعودي؟

    • الرواية أسهمت في تغيير كثير من الأفكار انطلاقاً من 2001 م وحتى الآن، أكثر من الشعر في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، استمرت الرواية في التأثير فهي لاتزال تحظى بقبول واسع ويتأثر بها الكثير، اجتذبت إليها حتى أولئك الذين لم يكونوا يؤمنون بالرواية كالأكاديميين والشعراء والنقاد وحتى المفكرين جميعهم سرقتهم أضواء الرواية وخاضوا غمار كتابتها بعيداً عن نجاحهم من عدمه، المهم أن هذا الجيل قد تأثر بها وجرب كتابتها. الرواية استطاعت أن تطرح مزيداً من الأسئلة وتنبش الكثير من الإجابات التي ربما قد تكون صائبة وأحياناً خاطئة لكنها أوجدت أثراً وغيرت الكثير من الأفكار في المجتمع.

    • ازدهار النشر الروائي الراهن.. كيف تراه؟

    • دور النشر التي كانت مزدهرة قبل سنوات أصبحت منقبضة أكثر مع الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم العربي، لهذا فهي حذرة ولن تنشر أي عمل ليس له إيرادات جيدة، دور النشر الآن لا تراهن على أي عمل؛ والرواية بالذات لا تزال مزدهرة إنما الاختلاف ماذا يفترض أن يقدم الروائيون السعوديون في مرحلة رؤية 2030، فالقارئ بدأ يُحدث من ذاكرته لتتواءم مع هذه الرؤية.

    • كيف تقيم الجوائز المتعددة للرواية وهل لعبت دوراً في الترويج والدعاية لها على حساب فن الرواية؟

    • في غياب جهة تتحمل أو تقوم بقياس جودة العمل الروائي، يتوه المتلقي في قوائم ما يستحق وما لا يستحق. الجوائز ليست دليلاً قاطعاً على جودتها، بعض الأعمال فازت بجوائز وهي في الحقيقة لا ترقى لمستوى الجودة، وهناك أعمال أجمل منها بكثير فنياً وسردياً إلا أننا لا نعلم عن الأسباب الكامنة وراء استبعادها من المسابقات والجوائز وإن قيل ما قيل عن حزمة الاتهامات التي طالت محكمي الجوائز!

    • كيف واجهت الرواية العربية اللحظات السياسية والمتغيرات الراهنة؟

    • الرواية ليست فرقة مناسبات وليست شعراً وقصائد ثورات ومواجهات، فالذي حدث في العالم العربي أمر معقد جداً حتى الآن لم يكتشف السياسيون قبل المثقفون الأسباب الكامنة خلف هذه الثورات، أو ما الذي حصل، لا يستطيع الروائي وهو الذي يغزل من خيوط دقيقة وملونة عمله الروائي عبر شخوص وأزمنة وأمكنة وأحداث ولغة فهم هذا العالم المتهيج إلا بعدما تستقر هذه الأوضاع ويطفو كل ما سقط في عمقها إلى السطح ونرى الحقائق في أشلاء هذه الثورات، صحيح بعض الروايات تناولت واقعاً مماثلاً وفازت بجوائز، لكنها قامت بدور المصور لواقع بئيس يحدث، وأصبحت تضاف إلى المناحات فلم تقدم عمقاً فلسفياً، ولا رؤية مختلفة، بعضها أنصاف لها كُتبت بخيال وسرد جيد لكنها ستنتهي هذه الروايات لمجرد اندثار معالم ثورات الخريف العربي.

    • أما زلت عند موقفك بأن الرواية السعودية لا تزال مراهقة؟

    • قلت ذلك في عام 2011م في ورقة قدمتها في تلمسان بالجزائر وأوضحت الهدف من هذا، قلت إن المراهقة هي مرحلة عمرية في حياة الإنسان وهي مرحلة تكاد تكون صدامية ومتسرعة وتكشف حالة من الرفض المتعجل لكنها كانت في وقتها جميلة وقدمت رؤى وأفكارًا.

الشباب الذين كتبوا تلك الأعمال في ذلك الوقت هم الذين جعلوا الآخرين يتجرأون على خوض غمار الرواية، الآن الرواية السعودية نهضت وتعيش مرحلة الشباب المكتمل الأهلية، أصبحت حقيقة رواية تنويرية، رواية تنافس الأقطاب العربية الأخرى ولا تقل عنها بحال من الأحوال إلم تفوقها في جوانب معينة، قد لا يتضح لنا ذلك بشكل دقيق لكثرة وكثافة الضخ الروائي، فهي بحاجة لمتابعة إعلامية دعائية مثلما تقوم به بعض دور النشر التي تعتمد على الدعاية أكثر من اعتمادها على جودة النص.

  • ما الذي يهدد الرواية السعودية ؟

  • الذي يهدد الرواية السعودية هو التسطيح الذي تمارسه مواقع التواصل الاجتماعي وسرقة اهتمامات الناس العميقة إلى اهتمامات سطحية وإشغالهم بتوافه ما يسمونهم بـ»السنابيين» فلقد رأينا في معرض الرياض مؤخراً بعضهم يصدر كتاباً تافهاً في شكله ومضمونه ويتهافت الناس عليه ويصطفون في طوابير للحصول على توقيعهم، طبعاً هذا تهديد لحظي ليس بتهديد مستمر، لأن هذه فقاعات ستنتهي، والعبرة بالخواتيم لأن الروائي عندما يكتب لا يكتب لأناس معينين هو يكتب للتاريخ أولاً، يكتب للمكتبة العربية الأدبية، هو أيضاً يكتب لنفسه هو يُمثل ويُشخصن إبداعه في عمل «نص» وهي مسؤولية عظيمة فهو يؤرخ ويكتب أحداثاً ولم تكن واقعية تماماً لكنه هو يوقع المتخيل ويتخيل الواقع؛ هو يكتب لقارئ جيد وقد لا يوجد القارئ هذا الآن ربما يحضر في المستقبل.