هكذا تذوب معظم القضايا والمذابح والمجازر والجرائم عبر التاريخ بيد بعض السياسيين كما الملح في الماء، لكنها ستظهر مرة أخرى ولو بعد حين، متى ما تبخّر الماء وبقي الملح مُترسّباً بالقاع..

يشقى المؤرخون «ذوو الضمير» في سد ثغرات الحقائق التاريخية، بواسطة ما يقع في أيديهم من دراسات ووثائق ومصادر أولية تاريخية، بينما يتفنن السياسيون في تزييف التاريخ وفقاً لما تقتضيه المصلحة أياً كان نوعها سياسية أم عسكرية.

وفي ذاكرة التاريخ العسكري بابٌ من الخُطط العسكرية التي باءت بالفشل، والتي يخجل حتى المؤرخ من تسميتها «خُطة» كحملة جاليبولي أو حملة الدردنيل وهي حملة عسكرية شنتها قوات بريطانية وفرنسية مشتركة خلال الحرب العالمية الأولى، حيث دارت معارك الحملة في شبه الجزيرة جاليبولي على مضيق الدردنيل العام 1915م وانتهت جهود الحملة بالفشل وقتل ما قُدّر عدده بحوالي 55 ألف جندي من قوات التحالف (بريطانيا، أستراليا، نيوزيلندا، فرنسا) وحوالي 90 ألف جندي عثماني ومئات الآلاف من الجرحى من الطرفين.

وكانت الحملة المزعومة من قوات التحالف تهدف إلى غزو إسطنبول عاصمة الدولة العثمانية ومن ثم الدخول إلى الجزء الشمالي الشرقي من تركيا لمساندة روسيا ضد القوات الألمانية، وحسب سجلات التاريخ العسكري كانت الحملة عبارة عن نصر لصالح القوات العثمانية حتى يومنا هذا، وكانت خيبة وهزيمة في ذاكرة الجيش البريطاني، والسبب لهذه الهزيمة كان بسيطاً وهو كالتالي:

اعتقد الجنود والضباط والقادة البريطانيون أنهم ذاهبون في نُزهة بحرية لصيد السمك والاستجمام خلال رحلتهم لغزو إسطنبول، وكان يعتقد الكثير منهم إن لم يكن الجميع، أنهم سيفتحون إسطنبول في كاسحات ألغام وهي عبارة عن سفن صيد تجارية وأطقمها من المدنيين استهتاراً بمقدرات الجيش العثماني، والسبب الآخر عدم دقة المخابرات البريطانية في التحري بكل جدية عن مقدرات الخصم العثماني، كما أشار المؤرخ - البطل في أحد مؤلفاته عن أهم المعارك التي دارت في الحرب العالمية الأولى.

أما في ذاكرة التاريخ السياسي فيوجد بابٌ يحوي عدداً من المذابح والإبادات المُنظمة، منها ما هو معترف بها، ومنها ما جُحِدت بالنكران، ومنها ما ابتدع لها الساسة مُسميات ناعمة ومتناغمة حسب ما تقتضي المصلحة مع أطراف هذه المذبحة، كـ «المذبحة الأرمنية» وتعرف أيضًا باسم المحرقة الأرمنية أو الإبادة الجماعية أو الجريمة الكبرى، وهي تُشير إلى القتل المتعمد والمنهجي للسكان الأرمن من قبل الدولة العثمانية خلال وبعد الحرب العالمية الأولى 1915- 1923م.

وتعترف اليوم أكثر من 25 دولة في هذه المذبحة بينما بريطانيا العُظمى تتردد بالاعتراف رُغم أنها تحتفظ بكم هائل من الوثائق التي تُثبت صحة المذبحة، ويقودنا هذا التردد إلى عدة تساؤلات بريئة: هل بريطانيا خجولة إلى هذا الحد؟ أم أن حملة الدردنيل حملت لُغزاً قد يُثبت تورطهم في هذه المذبحة «دون قصد» إلى جانب الأتراك، أم أنها تخشى على مصالحها السياسية مع دولة تُركيا اليوم؟ ما الذي يجعل السياسيين البريطانيين يكتفون بجملة «ما حصل بين 1915-1923م» ولا ينطقون بجملة «مذابح» إلا على استحياء؟

ونقلاً عن مقالة نُشرت بصحيفة «لوباريزيان» الفرنسية في تاريخ 27-1 من عام 2012م حملت عنواناً جريئاً ومُثيراً للغاية هو: لماذا لا يعترف الانجليز بالإبادة الأرمنية؟

يُجيب الكاتب على هذا التساؤل بسببين أحدهما سياسي، وهو أن العلاقات البريطانية – التركية ممتازة مما يجعلها تغض الطرف عن الاعتراف في الوقت الحالي، والسبب الآخر سبب عسكري وهو عندما حصلت هذه المذبحة كانت القوات البريطانية في معترك مع القوات العثمانية في حملة الدردنيل والتي حملت دون شك شعور بالذنب في ذاكرة البريطانيين.

ويمكنني قراءة الموقف البريطاني رغم براعة غموضه أنه موقفاً يُترجم مصالحها مع الطرف الآخر أي أن المذبحة الأرمنية أو القضية الأرمنية بشكل عام كانت وما زالت عبارة عن ورقة ضغط تُمارس على تركيا، كلما تطلّب الأمر من الأولى أن تُحقق بعض من مصالحها الذاتية على حساب هذه القضية، كما أن العديد من الدول تأبى أن تحسم هذا الأمر أو حتى أن تجد حلاً للكثير من القضايا الشائكة لفئة من الشعوب؛ لغرض التكسّب السياسي من ورائها.

فتجد السياسي غالباً ما يخشى الحقائق التاريخية رُغم أنه لا صحة لوجود «حقيقة ثابتة في التاريخ» إنما هناك حقائق ونظريات بُني بعضها على حقائق ناقصة وحقائق أخرى لها ثغرات وفصول محذوفة ومُشتتة، وتأتي مُهمة المؤرخ هو سد هذه الثغرات وترجيح الروايات المنطقية والعقلانية، وفق تحقيق وتحليل في الوثائق والمصادر التي تقع في حوزته.

وعلى أي حال، يظل السؤال الأكثر تشعُّباً والأهم من بين كل هذهِ التساؤلات.. وهو:

لماذا يشعر البريطانيون بالذنب في حال تذكرهم لحملة الدردنيل؟ هل بسبب خوضهم حرباً بسفن تجارية مما جعلهم يتكبدون خسائر بشرية من جيوشهم؟ أم بسبب تزامن المذبحة الأرمنية بنفس التاريخ الذي حدثت به هذه الحملة؟

هل كان الشعور بالذنب ناتجاً من خطأ ما أو تورطاً؟

تساؤلات بغاية الأهمية بحاجة إلى مؤرّخ جريء مُغامر، ذو ضمير حي.

وأخيراً: هكذا تذوب مُعظم القضايا والمذابح والمجازر والجرائم عبر التاريخ بيد بعض السياسيين كما الملح في الماء، لكنها ستظهر مرة أخرى ولو بعد حين، متى ما تبخّر الماء وبقي الملح مُترسّباً بالقاع، هنا يأتي دور المؤرّخ ليكشف لنا حيثيات هذا الترسُّب وفي أي حقبة كان!