يُعتبر 25 مايو من العام 1928 يوماً تاريخياً لن يُمحى من ذاكرة العالم، حينما أقر الاتحاد الدولي لكرة القدم بطولة كأس العالم لكرة القدم، وسُميّت وقتها ببطولة كأس النصر. وبعد عامين فقط، نظمت الأورغواي التي كانت رائدة في هذه اللعبة وبطلة آخر دورتين أولمبيتين، أول بطولة لكأس العالم بمشاركة 13 دولة، وحققت كأسها الأول بعد تغلبها في المباراة النهائية على منتخب الأرجنتين 4 - 1. ومنذ ذلك التاريخ، انطلقت هذه البطولة التي تُعدّ الحدث الرياضي الأهم، بعد منافسات دورة الألعاب الأولمبية، وأصبحت تُقام كل أربع سنوات، منذ العام 1930 وحتى النسخة الـ 21 والتي ستُقام في روسيا بعد ثلاثة أيام.

تلك هي «حكاية كأس العالم»، هذه البطولة العالمية التي تُتابعها الملايين على امتداد الكرة الأرضية، حيث قُدّر عدد المتابعين للمباراة النهائية التي أقيمت في البرازيل في العام 2014 بين منتخبي ألمانيا والأرجنتين والتي فازت بها ألمانيا بهدف نظيف، بنحو 715 مليون مشاهد.

كرة القدم أو ما يُعبّر عنها دائماً بالساحرة المستديرة، لم تعدّ مجرد صراع أحمق حول قطعة من الجلد مملوءة بالهواء، لكنها أصبحت «شبكة» اتصال وتواصل بين كل الأمم والشعوب والمجتمعات، واللغة الكونية المشتركة التي يُتقنها ويُعبّر بها الصغير والكبير في كل أنحاء العالم دون استثناء، فهي فتنة للفقراء وثروة للأغنياء.

في العام 1862 وُضعت قوانين كرة القدم في إنجلترا مهد الكرة الحديثة، فتحولت بعد عقود من اللعب للمتعة والصحة والمنافسة إلى حالة من «الهستيريا الجماعية» التي لم تنجُ منها أمة.

للرياضة، وتحديداً كرة القدم، الكثير من الأدوار والأبعاد، الاجتماعية والثقافية والسياحية والاقتصادية والسياسية، فهي اللعبة الشعبية الأولى التي تعشقها الشعوب حدّ الجنون. كرة القدم الآن - بل منذ عدة عقود - ممثلة بالاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» ورؤساء الأندية الثرية ووسائل الإعلام الكبرى، كلها مجتمعة تُمارس العديد من الوظائف والسياسات وتتحكم في الكثير من الملفات والقرارات، فهي «فريق» من كل الجنسيات والثقافات يُجيد «اللعب» على كل الهجمات والمرتدات، ويكسب كل المباريات والمراهنات.

الوجه الآخر لكرة القدم، قد لا يبدو سافراً، كما هي الحال في المباريات والتسديدات والتسللات والانتصارات والخسارات والهتافات والآهات والحسرات. الوجه الآخر لكرة القدم، بعيداً عن كل تلك التفاصيل المصاحبة لمباراة تستمر لمدة 90 دقيقة، قد يكون أكثر قوة وجرأة وتأثيراً، وقد يكون أيضاً أكثر قبحاً وخداعاً وتضليلاً.

كرة القدم الآن، منظومة صناعية ضخمة، لها أدواتها وآلياتها ومقوماتها، تدر المليارات وتوفر ملايين الفرص، وهي قبل كل ذلك، قيمة حضارية رائعة ولغة إنسانية سامية، تُسهم في تنمية وتطور وازدهار العالم.

المليارات، سواء من البشر أو من الدولارات، هي العنوان الأبرز لهذه الكرة المصنوعة من الجلد، ولكن فقط لمن يُسدد مباشرة في المرمى ليُسجل الأهداف، ويكسب هتافات الجماهير، وأكثر من ذلك بكثير.

بعد ثلاثة أيام، وتحديداً في الخميس القادم 14 يونيو، وعلى ملعب لوجينكي أيقونة الملاعب الروسية والعالمية، سيلعب منتخبنا الوطني المباراة الافتتاحية لكأس العالم مع المنتخب الروسي مستضيف البطولة، وستكون أنظار مئات الملايين في كل أنحاء العالم صوب هذه المباراة الاستثنائية التي تسكن في ذاكرة المشهد العالمي.

المقال القادم، سيُحاول أن يُجيب على هذا السؤال: هل نحن قادرون على إبهار العالم في كرة القدم، وفي أشياء أخرى؟.