هناك سؤال يشغلني دائماً وهو لماذا يحاول نجومنا الكبار تبرير سوء أعمالهم والتحجج بالظروف دون أن يعترفوا ولو لمرة واحدة أن إنتاجهم سيئ وأنهم لم يُوفّقوا في هذه التجربة أو تلك؟ الاعتراف بالفشل أول طريق الإصلاح وهو دليل على الوعي الذي يجب أن يمتلكه أي فنان لكي يتطور.

الفنان حسن عسيري نجم قدير ومن أهم المنتجين السعوديين، ظهر مع المذيعة المتألقة سارة دندراوي في قناة العربية ليتحدث عن مسلسله "شير شات" الذي يُعرض هذه الأيام على قناة SBC، وكان من ضمن ما قاله إن على النقاد أن يراعوا ظروف الإنتاج في المملكة وأن لا يقارنوا الأعمال السعودية بالمصرية والبرازيلية إلخ.

وبالطبع من حق الفنان القدير أن يعبّر عن رأيه بحرية، ومن حق المشاهدين -والنقاد منهم- أن يقولوا رأيهم أيضاً بحرية تحت مظلة الشعار الشهير "الاختلاف لا يفسد للود قضية".

فيما يتعلق بظروف الإنتاج فهي "حقٌ أريد به باطل!"، وكلام الفنان حسن عسيري صحيح في ظاهره، ولكنه لا ينطبق تماماً على مسلسل "شير شات" ولا على مسلسل "العاصوف" وبقية المسلسلات السعودية ذات الميزانيات المليونية.

إذا أردنا أن نُعرّف صعوبات الإنتاج بشكل دقيق فهي تلك التي تمنع المنتج والمخرج والممثل من الوصول إلى موقع التصوير، هي العوائق التي تجعل فكرة التصوير مستحيلة أو التي تمنع الفنان من تنفيذ عمله بالشكل الذي يطمح له، وهي عوائق يعاني منها الفنان المبتدئ أو الذي لا يمتلك ميزانية أو دعماً من أي نوع. أما حسن عسيري وبقية كبار الدراما السعودية فلا يعانون من هذه الظروف التي يزعمونها.

مسلسل مثل "العاصوف" تم تنفيذه في أستوديوهات twofour54 في أبوظبي وهي ذات الجهة التي صوّر فيها توم كروز مشاهد من فيلمه "المهمة المستحيلة6"!، أما مسلسل "شير شات" فقد توفرت له ميزانية كبيرة كافية لإخضاع أي ظرف. وطالما أن صنّاع المسلسل تمكنوا من الوصول إلى موقع التصوير فهذا يعني أنهم تجاوزوا هذه العوائق، وحينها سيكون الرهان على وعي الفنان أكثر من أي شيء آخر.

عندما يقف المخرج خلف الكاميرا وأمامه الممثلون، وبجواره الفنانون والتقنيون، فهذا يعني أنه تغلّب على جميع المعوقات ووصل بسلام إلى موقع التصوير ولم يعد بإمكان أحد أن يمنعه من تحقيق رؤاه الفنية كاملة. عند هذه النقطة وصل بنجاح مسلسل "شير شات" مدفوعاً بدعم غير عادي من هيئة الإذاعة والتلفزيون، لكن النتيجة لم تكن جيدة لسبب بسيط هو أن الخلل في الرؤية وليس في الظروف والإمكانيات.

في مسلسل "شير شات" الجوانب التقنية جيدة، من صوت وصورة، لكن هذه لا تكفي لصناعة عمل جيد إذا كان السيناريو سيئاً أو الأفكار مبتذلة أو الأسلوب سطحي ومباشر، هذه عيوب إبداعية لا علاقة لها بظروف الإنتاج، وتعاني منها حتى بعض الأفلام الهوليودية ذات الإمكانيات الكبيرة. إنها عيوب تتعلّق بوعي صانع العمل ورؤيته الفنية.

ليس هناك ظرف وقف في وجه صنّاع "شير شات" ليقدموا عملاً جيداً، ولم يمنعهم أحد من ابتكار أفكار جديدة. ثم إذا سلّمنا بوجود الظروف فأين كانت هذه الظروف عندما قدم حسن عسيري نفسه الجزء الأول من "بيني وبينك" قبل عشر سنوات وبمستوى أفضل بكثير من "شير شات"؟. وأين هذه الظروف عن "طاش" وفيلم "وجدة" بل أينها عن قناة "تلفاز11" في اليوتيوب التي تقدم محتوى درامياً ممتازاً تم تنفيذه هنا في المملكة وبميزانيات متواضعة جداً؟. الأمر في النهاية مرهون بالوعي قبل أي شيء آخر.

الإمكانيات التي توفرت لـ"شير شات" يحلم بها المبدعون الشباب الذين يعانون بالفعل من ظروف الإنتاج. أما النجوم الكبار فلا يحق لهم أن يعزفوا على "نغمة" الاستجداء وأن يتذرعوا بالظروف متى ما أرادوا، لأنهم وجدوا كل دعم ممكن وأخفقوا في صنع شيء يلائم مزاج الجمهور السعودي في مرحلته الراهنة.