تفاجئنا تظاهرات الفن بمدى التبدل في مفهوم الفن ذاته، حيث يبدو أن الفن قد خرج من اللوحة وتداخلت فيه العلوم من فيزياء وضوء. بل ولم يعد الفن نتاج فرد وإنما يأتي المفهوم من الفرد لتنتجه شركات متخصصة، وحين نتتبع المسيرة التي قادت لهذا التحول العجيب فإننا لا نملك إلا الرجوع لفنانين تجرأوا وقادوا لذلك، ومنهم الفنان الأرجنتيني خوليو لو بارك Julio Le Parc من مواليد عام 1928، حيث يشكل نتاجه اختراقاً لما كان سائداً في عالم الفن عبر العصور وحتى الستينات من القرن العشرين، وذلك لكون خوليو لوبارك ومنذ الستينات من رواد التجريب في مجال خلط الفن بالعلم أو استغلال العلم في الفن، ولتجاوزه للجماليات التقليدية للفن وتحوله لإنتاج أعمال تعتمد على الديناميكة البصرية وفيزياء الطاقة التي تكتسبها الأجسام أثناء حركتها وتسارع أو تباطؤ تلك الحركة (kinetic)، ولقد كان أحد المؤسسين عام 1961 للجماعة التي عرفت باسم (جماعة البحث في الفن البصري Groupe de Recherche d›Art Visuel) والتي أعلنت عن وجودها في بينالي باريس للفن ذلك العام. 

ولقد تركز اهتمام تلك الجماعك والفنان لوبارك خاصة على التوسع في إنتاج دراسات وأعمال وتكوينات فنية تجريبية في حينها وتهدف لإحداث تحول في العلاقة بين المتلقي والعمل الفني، وذلك بتفجير مفهوم وظيفة الفن وتحويله لمادة للقراءات الديناميكية وليس مجردة طرح جمالي ساكن، فالعمل الفني بالنسبة له هو سلسلة تحولات في الضوء والحركة، ويظل في حالة تحول ومشاغلة وحوار مع المتلقي وفقاً لاستجابة ذلك المتلقي وموقعه من العمل أو الزاوية التي يتناول منها العمل أو يتلقى منها ضوءه أو يسهم في تغيير معدلات سرعته. ومن هنا تأتي أهمية أو محورية الحركة في أعمال لوبارك، فبالنسبة له فإن الحركة هي عامل فلسفي وفي ذات الوقت عامل فاعل في مستوى المادة، إذ حسب تعبيره فإن الحركة تقود للوعي بمدى لا استقرار المادي، أو لا استقرار الواقعي أو المتجسد، تماماً كما الحركة التي يبدؤها الجسد بولادته، فإن حركة الولادة تقود لتسارع حثيث صوب الفناء، وكل حركة محدودة أو ضخمة ما هي إلا ابتعاد عن السكون صوب اللااستقرار أو الخروج من مدار وجودي لمدار آخر، وهو ما يضفي الإثارة أو الحيوية في العمل الفني المسمى الجسد أو الولادة، عملية انتقال من الكتلة لتخلخلها ومن ثم الغياب والحضور فيما وراء المشهود.

هذا البحث في الحركة يظل هاجس الكثير من الإبداعات التي شكلت تحولاً في مسيرة الفن البشري.