أميل شخصياً للأسلوب النقدي الساخر، كمتابع لا ككاتب ساخر، ويأسرني الفن الساخر، والكتابة الساخرة العميقة، والكوميديا السوداء، في إطار الفكرة، لكني أرفضها عندما تتعدى للشخوص أو تبتذل.. والأهم أنها تأتي في إطار الخفة، في المعنى والزمن، وألا تطيل البقاء، لتؤطر قضية معينة، أو مجتمع محدد.

أظن أن القضية الأبرز هذه الأيام هي الاستعداد لقيادة المرأة السعودية، للمرة الأولى على مستوى الدولة، وهو الأمر الذي صاحبته قرارات رسمية، وتأهب خاص، وحملات توعوية ومرورية، وتصريحات متخصصة.. والكثير من السخرية، والنكت الـ»واتسبية»، وتحديداً من الذكور.

هناك مشكلة، قد لا تبدو ظاهرية، ولكنها تنخر في العمق، وتتراكم كجبل، تتمثل في وضع المرأة في صورة منمطة، على أنها جاهلة في القيادة، وأقل قدراً من الرجل في الالتزام بقواعد المرور، وأنها السبب المقبل في الحوادث والقتل والتخريب، وهذا يؤثر في صورتها الذهنية على المدى البعيد، وحتى لو لم يكن مقصوداً.

قبل عام تقريباً، كشفت دراسة نرويجية حديثة أن النساء أقل عرضة لخطر حوادث السير أثناء قيادة السيارات، بينما يعد سائقو السيارات من الشبان أكثر المتعرضين لحوادث الطرقات. الدراسة، التي نشرت في مجلة «Frontiers»، أجريت على 1100 طالب من تلاميذ المدارس الثانوية و617 من الشبان البالغين، أكدت أن 12 % من أخطاء السائق مسؤولة عن هذه الحوادث، ومنها استعمال الهواتف الذكية أثناء القيادة والاستماع لأجهزة الراديو، مع التركيز الشديد، حيث تزيد من نسبة ارتباكهم والهائهم.

وقال أولي جوهانسون، أحد الباحثين: «لقد وجدت أن الشبان، أكثر المتعرضين لحوادث الطرقات من النساء، جراء عوامل الإلهاء»، وأوضح أنه يجب إدخال عناصر مصممة خصيصاً للسائق من أجل الحد من حوادث السير.

هذا النوع من الأرقام والدراسات يجب أن يكون حاضراً في أذهان الرجال، ليدركوا أن الادعاءات التي تقلل من احترافية المرأة في القيادة مجرد أشياء لا تشبه الحقيقة. أتمنى أن يتم الانتباه لهذه القضية مبكراً، قبل أن تتحول لظاهرة، ويكون لها آثارها المستقبلية.

في الوقت نفسه، لا أتفق مع الخطاب النسائي -وفي رواية النسوي- المتشدد، الذي يصور القرار على أنه انتصار على الرجل، ورغم اتفاقي بوجود عينة من الرجال ترفض هذا الحق، لعوامل أيديولوجية ومجتمعية مترسبة، إلا أنه من غير الطبيعي التعامل مع القرار كثأر.

الأصل في العلاقة بين المرأة والرجل هو التكامل، أي عسكرة لأي الطرفين لا يفيد أياً منهما، ولا يضفي للمجتمع ولا للوطن، ولا يضيف لمشروع البناء الكبير.

يجب أن نعبر بسفينة الوطن، بعيداً عن التخندق المجندر، والتحزب المؤدلج، والتصنيف.. الكل تحت مظلة الوطن، الوطن الكبير. والسلام..