يثير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الكثير من الجدل في وسائل الإعلام، ويلجأ المحللون لمحاولة فهم مرامي برنامجه الرئاسي وخصوصاً فيما يخص قانون الضرائب، إذ إن من الواضح حتى الآن أنه قد نجح في رفع الضرائب على دخل المتقاعدين بينما يعد بتخفيض الضرائب على الشركات الاستثمارية، مما يدفع خصومه من اليسار المتطرف خصوصاً بقيادة جان لوك ميلانشون باتهامه بكونه رئيساً للأغنياء حيث قدم لهم إعفاءات من الضرائب بلغت مايعادل الخمس مليارات من اليوروهات، بل ومؤخراً أنضم للحملة الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند حين نعت الرئيس ماكرون بصفته رئيساً ليس للأغنياء فقط وإنما للأغنياء جداً جداً وبالغي الثراء.

ويذهب المنتقدون للقول إن الرئيس ماكرون يؤمن ويعد بتحقق النظرية المعروفة باسم نظرية «التخلل أو الرشح المادي La théorie du ruissellement»، برغم تبرؤ ماكرون من هذه النظرية.

ونتوقف لفهم تلك النظرية والتي تفيد بأن اتباعها يمر بأربع خطوات:

أولاً: خفض الضرائب عن الأغنياء.

ثانياً: ما يتوفر من الضرائب لدى الأغنياء يذهب للاستثمار في مشروعات اقتصادية.

ثالثاً: الاسثمار يخلق وظائف جديدة.

رابعاً: تلك الوظائف تحسن وضع الفقراء.

ولا يعارض المحللون السحر الذي تعد به تلك الخطوات لولا احتمال كونها مجرد فرضيات، ويتوقف المنتقدون خصوصاً عند الخطوة الثانية، إذ ومن دراسة الواقع ينبعث التساؤل: هل حقاً يوظف الأغنياء ما يوفرونه في خلق مشروعات استثمارية؟ فربما يرجح احتمال إيداعهم لتلك الأموال في حسابات بنكية جامدة للتوفير.

وبذلك تنتقض الخطوات الأربع، وينبعث الشك في أين ستذهب المليارات الخمس من اليوروهات. ويتساءل المنتقدون: لماذا نثق بالأغنياء، فالدولة أقدر وأكثر مصداقية في جديتيها في استثمار تلك المليارات الخمس في خلق مشروعات استثمارية من الأفراد.

لكن خطوة الرئيس ماكرون طموحة وجريئة، حيث يهدف بخفضه للضرائب المفروضة على الشركات لاستقطاب المستثمرين العالميين وتحريك الاقتصاد الفرنسي وتحريره من الجمود الطويل، وهو هدف لو تحقق سيجعل من فرنسا محوراً للاقتصاد الحر عالمياً وفائدة للمجتمع الأوروبي، وليس أدل على ذلك من خطاب الرئيس ماكرون لطلبة الجامعات في زيارته للولايات المتحدة حين قال: «لأولئك الذين يهمهم مستقبل كوكبنا الأرض، لأولئك الذين يحلمون بالتغيير وتحقيق ديناميكية للاقتصاد والحياة الكريمة فإن فرنسا مفتوحة لاستقبالهم، دعونا نعمل معاً لجعل كوكبنا عظيماً من جديد let’s make our planet great again.”

وفي النهاية فإن حملات المقاومة لمشروع ماكرون الاقتصادي ماهي إلا حملات تشي بالخوف الأزلي لدى البشر من التغيير، خوف من التغيير يقابله أمل عميق في تحقق التغيير المنشود وتحريك الجامد وتنشيط الراكد في الاقتصاد الفرنسي. إذ رغم التخوف فهناك آمال كبيرة معقودة على الرئيس الشاب ماكرون ببرنامجه الاقتصادي الجريء، والذي من المبكر الحكم عليه.