تسمى القصة التي تُروى أو تُكتب بالحكاية، وهي نصٌ أدبي نثري يجمع بين أحداث قد تكون واقعيّة أو من خيال الراوي، ولا تحقِّق هدفها إلاّ بالاعتماد على عنصر التشويق الذي يُعتبر أكثر إثارة وجذب للقارئ، ولا تكتمل إلا بوجود حَبْكَة تسهم في بلورتها أحداث مترابطة، والراوي باستطاعته أن يخبر القصص ويصنع الشخصيات ويبتكر الأحداث بشفافية وصدق وليس المهم حينها كيف يكتب، ومنهم من لا يفكر أبداً بما يريد الناس سماعه، بل يفكر بما يريد هو قوله وتقديمه.

الباحث الأنثروبولوجي للمجتمعات الإنسانية والمهتم بسلوكيات أفرادها ونمط حياتهم؛ يسعى للحصول على التفاصيل من خلال الحكايات والقصص التي يرويها الناس عن مجتمعهم أو يرويها الآخرون عنهم، وهذا التتبع يعطي تصوّراً دقيقاً عن حياة الشعوب وأنظمتها وتطورها وثقافاتها الفلكلوريّة والبناء النسقي لطبقات المجتمع والأدوار التي يمارسها الأفراد بكل ما تحتويه من معارف ومشاعر وأفكار، والباحث في ثقافات الشعوب وتاريخ الحضارات يسعى للحصول على مصادر أصيلة وموثّقة من هذه الحكايات والقصص من أهل المجتمع ذاته لتحقيق المصداقية والواقعيّة، وحتماً سيجد فيها مفاهيم ولمحات قد تغيب عن الراوي غير المنتمي لذات البيئة.

مجتمع المملكة غني وزاخر بالتنوّع الإنساني والتعدديّة الثقافية والبيئات المتباينة، والتي جعلت منه لوحة فنيّة فريدة ومميزة، بالإضافة لمراحل التغير الاجتماعي والثقافي التي مر بها على مدى التاريخ، وهذا صنع إرثاً كبيراً من الحوادث والمواقف والتي حريّة بالتدوين لنروي للأجيال ولنُري العالم كيف نحن، ومن نحن.

رواية الحكاية سواء على شكل قصص أو مذكرات شخصية أو مذكرات مجتمعية وتحويلها لأفلام ومسلسلات وثائقية ودراميّة؛ هي مسؤولية الجميع مها كانت بساطة القصة أو عمقها، واليوم المتأمل للواقع السعودي يقف أمام حكايات عظيمة، فالكل عاش الحراك الكبير لمشروع الرؤية، وبرامج جودة الحياة، عشنا التغيرات الثقافية والاجتماعية لكثير من الموضوعات ذات الصلة بالبناء الثقافي والقيمي للمجتمع، عشنا تجربة الابتعاث والنقلة الهائلة لمستوى التعليم الجامعي بين الشباب، عشنا تجربة المجالس البلديّة وما صاحبها من تطوّر، عشنا قرارات تمكين المرأة واستثمار وجودها كفرد فاعل في المجتمع، عشنا مراحل متعددة بين الحرب والسلم من 1980 وحتى اليوم، عشنا التحولات الإداريّة في التنظيم الحكومي لكثير من القطاعات، عاصرنا آباء وأمهات نقلوا لنا الماضي بكل ما فيه لنعرف قيمة الحاضر.. وهكذا ما زلنا نعيش حكاية تلو حكاية، والسعودية الجديدة التي نعيشها هي نتاج حكايات كفاح وتطلعات وإنجاز.. فلنروِ حكايتنا.