سعدت جداً بتمديد مدة سريان جواز السفر من خمس سنوات إلى عشر سنوات. خمس سنوات قصيرة جداً على زيارة مبنى الجوازات بالرياض، مع تقدم التقنيات ووسائل البريد ربما تنتفي الحاجة نهائياً إلى زيارة ذلك المبنى العريق الواقع في طريق الملك فهد، إذا أردت أن تعرف تطور مرور الرياض منذ أربعين عاماً إلى اليوم تجول في الشوارع المحيطة به من الساعة التاسعة صباحاً إلى الساعة الثالثة مساء. كل خمس سنوات اذهب إليه على ثقة أن الفوضى قد انتهت، لا يمكن أن تستمر نفس الفوضى في المكان نفسه يومياً أربعة عقود، هكذا يقول المنطق. ولكن المرور حول هذا المبنى قاوم كل أشكال المنطق. السيارات المكتظة بعشوائية حوله تعطيك فكرة تاريخية عن جهود وإمكانات مرور الرياض وقدرته على إدارة واجباته، قبل سنوات كنت أظن أن المرور يراهن على تباعد حاجة الناس لخدمات هذا المبنى، أن تغوص في فوضى مرة كل خمس سنوات ليست مشكلة تقلق المراجعين، بيد أن هذه الفوضى تمددت في كل مكان، عند أي مطعم وعند الأسواق وعند الدوائر الحكومية الخدمية وعند المقاهي.

يستغرب بعض الناس عجز المرور عن السيطرة على جرائم التفحيط، لا يدرك البعض أن حالة العجز هذه قدمت خدمة جليلة للإخوة في المرور، أصبح من الغباء التصدي لهذه الممارسة بجدية، بدأ التفحيط مع نهاية حقبة السبعينيات الميلادية بصرير كفرات السيارات عند الإشارات ثم تفاقمت حتى أصبحت كما ترونها تحصد الأرواح. إذا راجعت الكتابات والتقارير عن حالة المرور سترى أن التفحيط يمثل تسعين في المئة منها، الإثارة التي ينطوي عليها التفحيط صرفت الأنظار عن مشكلات مرورية أساسية، باتت كل حالة فوضى لا تستحق الالتفات. لا صوت يعلو على صوت المعركة، لم يعد المرور مسؤولاً عن أي شيء، كل المطالبات الشعبية والرسمية تركزت على التفحيط، كل الدراسات والندوات تركزت على التفحيط، لم يعد من صالح إدارة المرور أن تحل مشكلة التفحيط، ستتعرى الحقيقة، لا يوجد شيء اسمه مرور، كل ما شاهدناه من تطور في ضبط المرور خلال السنوات العشر الماضية هو تركيب أجهزة ساهر وإصدار القرارات التي لن يطبق منها شيء.

كل ما يكتب اليوم عن المرور لا يعدو أن يكون براءة ذمة، أربعون عاماً ونحن نكتب المقال نفسه بأسماء مختلفة، بعد خمس سنوات من الآن سوف أعيد نشر هذا المقال، سأعيده بالصيغة نفسها وبالكلام نفسه وبالشكوى نفسها ولن أجد ما أضيف عليه سوى ما سيخترعه الأميركان لينضم إلى شقيقة ساهر.