يطيب للمعجبين بـ"العاصوف" اتهام أي شخص ينتقد العمل بأنه جزء من هجوم "منظم" تنفذه جهات مجهولة لديها حساسية من التفاصيل التي يكشف عنها المسلسل. وقد استُخدم هذا الاتهام كثيراً في الأيام الماضية، حتى من بعض أفراد طاقم العمل، وكأن المطلوب هو التصفيق المطلق للعاصوف حتى وإن كان يحوي أخطاء في السيناريو أو الآداء أو الصورة.

"العاصوف" هو في النهاية عمل فني لا يُعبّر إلا عن وجهة نظر صانعيه، ولا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل، لا مدحاً ولا قدحاً، فمن يرى أن العمل جيد فلهُ ذلك، ومن يرى أنه سيّئ فلهُ ذلك أيضاً، وهذا جزء من جمال الحالة الفنية الصحيحة التي تتسم بالحرية وبتعدد الآراء والأصوات، شريطة أن يتم التعامل معها بتجرد وبمعزل عن الأحكام المسبقة؛ المُوالية والمُعارضة.

للأسف أن من يتهم معارضي "العاصوف" بأنهم تابعون لهذا الحزب أو ذلك التيار، هو بشكل ما يؤدلج الفن ويقع في ما يُحذّر منه، فإذا كان يرى أن خصومه يحكمون على المسلسل وفق آيدلوجيا معينة تناهض الفنون أو تقيّدها، فإنه أيضاً يرد عليهم بنفس الطريقة ويجعل من المسلسل طريقة لتصفية حسابات مع أتباع التيار المؤدلج، إنه محكوم بالآيدلوجيا حتى لو لم يكن واعياً بذلك، وتعاطيه مع الفن بهذه الصورة إنما يشوّه الفن ويُقيده.

ذكر الأستاذ عبدالرحمن الراشد في مقال له بعنوان "لماذا يحاربون العاصوف؟" إشارات لما يمكن أن نصفه بالأيدلوجيا المضادة، فالأستاذ الكبير عمراً وقدراً ومكانةً ألمح إلى أن معارضي المسلسل متطرفون "يهاجمون "العاصوف" لأنه سلط الضوء على حقبة بقيت في الظلام عن عمد والمتطرفون من الصحويين يريدون إطفاء النور"، وهذا بالطبع تجاوز من أستاذنا القدير ظلم به كثيراً من المشاهدين الذين لم يعجبهم "العاصوف" ووضعهم في سلّة واحدة مع من وصفهم في مقاله.

هذه النبرة تحمل في طياتها استهانة بوعي الجمهور السعودي وبذائقته الفنية التي تطورت كثيراً في السنوات الأخيرة حتى أصبح يفهم "ألف باء اللعبة الفنية". جمهور كهذا يشاهد الأعمال العالمية أولاً بأول، من أميركا إلى أوربا إلى آسيا، ويتفاعل معها بشكل رائع، وينتقدها باحترافية، لا يمكن الاستغراب من انتقاده لجوانب معينة في "العاصوف" ولا يمكن وصفه بأنه جمهور "لا يفهم" أو أن نجعل من انتقاداته سبباً لتصنيفه واتهامه.

لمَ لا نعترف بأن "العاصوف" لم يُعجب هذا الجمهور لأسباب فنية محضة؟. هكذا ببساطة.. ونتعامل مع الأمر في إطاره الفني الصحيح. لو أن "العاصوف" عُرض في صالة سينمائية وغادر الجمهور قبل أن ينتهي العرض هل نتهمه بأنه يتبع "أجندة" خاصة وأن انسحابه من الصالة "منظم" وجزء من "خطة" تستهدف العمل وصانعيه؟. الأمر أبسط من ذلك بكثير، وحالة استياء هؤلاء من المسلسل يمكن فهمها وتفسيرها، فهذا الجمهور الذي انتهى للتو من مشاهدة المسلسل الإسباني La casa de papel والموسم الأخير من Game of Thrones لابد أن يكون له رأي تجاه "العاصوف" وبقية المسلسلات السعودية، وعلينا احترام رأيه وتقديره، لا أن نقلل منه ونتهمه بأنه رأي غير واعٍ مُنساق خلف هجمة "منظمة" من جهات غير معلومة!.