في منتصف العام 1945 أصبحت هزيمة ألمانيا النازية شبه مؤكدة.. كان الروس يزحفون من الشرق والحلفاء من الغرب في سباق محموم لأسر هتلر والاستيلاء على برلين أولاً.. وفي سبتمبر 1945 انتهت الحرب بدخول الروس برلين - قبل الحلفاء الغربيين - ولكن هـتلر طلب من معاونيه قـتله وحرق جثـته.

غير أن الاستيلاء على برلين (ومحاولة أسر هتلر) لم يكن مجال التنافس الوحيد بين الروس والأميركان.. فقد خاضا أيضاً سباقاً سـرياً لأسر علماء الصواريخ الألمان ورئيسهم الشاب فـون براون (المسؤول عن صنع صواريخ V-2 h التي دمرت لندن ويتجاوز مداها 300 كيلومتر)..

حين دخل الروس إلى برلين أولاً شعر الأميركان بأن فرصتهم في أسر علماء الصواريخ الألمان تضاءلت.. غير أن براون نفسه (الذي كان يجيد اللغة الإنجليزية) كان يخشى انتقام الروس فأقنع زملاءه بالهرب والاستسلام للقوات الأميركية.. وهكذا حصل الأميركان على غنيمة غير متوقعة كان لها الفضل في تطوير برنامجهم الفضائي والهبوط على القمر بعد 24 عاماً من هزيمة هتلر.

غير أن خسارة الروس للعلماء الألمان جعلهم يعتمدون على أنفسهم ويستحدثون مناهج دراسية وتخصصات جامعية تهتم بتقنية الصواريخ والرحلات الفضائية، وبفضل هذا الزخم تمكنوا في أكتوبر1957 من إطلاق أول قمر اصطناعي يدعى سبوتنيك 1، وبعده بشهر واحد أطلقوا سبوتنيك 2.. وقبل أن يفيق الأميركان من وقع الصدمة نجح الروس في أبريل 1961 في وضع أول رجل في مركبة تدور حول الأرض (يوري جاجارين)، وفي العام 1963 أطلقوا أول امرأة للفضاء الخارجي (فالينتينا تيريشكوفا)، وفي العام 1965 أجرى أليكسي ليونوف أول عملية مشي في الفضاء - وهذا غير المركبات الروسية غير المأهولة التي أرسلت للقمر وصورت لأول مرة جانبه المظلم.

ورغم أن الأميركان كان يتتبعون الروس في كل خطوة، شعروا بالإهانة من فشلهم في تحقيق قصب السبق في إنجازات كانت فرصتهم فيها أفضل.. إنجازات الروس المتتالية حـثـتهـم على تغيير مناهجهم الدراسية والتركيز بشكل أكبر على الهندسة والرياضيات والعلوم التطبيقية المفيدة.. كانت بمثابة (ثورة علمية) مضادة للثورة العلمية التي تبناها الروس بعد خسارتهم للعلماء الألمان.. وصلت حمى التنافس العلمي حد وعد الرئيس جون كيندي شعبه بأن أول رجل يمشي على القمر سيكون أميركياً - وأول أمة تكتشف علاجاً للسرطان ستكون أميركا.

وفي 20 يوليو 1969 نجح الأميركان فعلاً (تحت إدارة فون براون الألماني) في إنزال أول رجل على سطح القمر (نيل أرمسترونغ) في حين ارتفعت نسب الشفاء من السرطان إلى حدود مذهلة وغير مسبوقة.

بقي أن أشير إلى أن (التنافس الفضائي) حدث بالتوازي مع تنافس الدولتين في كافة المجالات والعلوم التطبيقية.. تنافسا في تطوير القنابل الذرية، والصواريخ البالستية، والتقنيات العسكرية، والأبحاث الطبية، والقاذفات الاستراتيجية، والغواصات النووية.. التنافس الفضائي (في هذا المقال) أوردته كأنموذج لفضل العلوم التطبيقية في تحويل روسيا من دولة زراعية إلى دولة فضائية، وأميركا من دولة تابعة لبريطانيا إلى قـوة تـقـنية تجاوزت مركباتها نظامنا الشمسي وغـرزت علمها فوق سطح القمر.

وبـدل أن يـتعلم العرب الدرس استمروا في تضخيم علومهم الوهمية وتوزيع شهادات أكاديمية لا تقبلها غير مجتمعاتهم المحلية.. بدل أن نلحق بروسيا وأميركا بغـزو الفضاء اكتفينا بإطلاق أكبر كذبة في تاريخ الفضاء:

«حين هبط أرمسترونغ فوق سطح القمر سمع صوت الأذان هناك»!!

.. هل ترغب باختصار المقال في خمس كلمات فقط.. انظر للعنوان مجدداً..