إذا كانت الخيانة والعمالة للخارج مسألة تستنكرها الأنفس العزيزة، فإننا نتساءل هنا: ما الذي يريده ويتمناه ويتطلع له هؤلاء الخونة وعملاء الخارج؟ إنه سؤال يدعو للحيرة ولن نجد له إجابة سوية أو عقلانية أو منطقية..

مبادئ وقيم المواطنة الحقيقية تقدم الولاء للوطن فوق كل ولاء وتقود لمجابهة ومواجهة كل من يعاديه، التقاليد والأعراف العربية الأصيلة تدفع للاعتزاز بالوطن وبوحدته وتتبرأ من كل خائن وعميل ومرتزق، الأنظمة واللوائح الداخلية تدعو لتعزيز الوحدة الوطنية وخدمة المصلحة العامة، وتجرم كل تصرف يهدد أمن وسلامة واستقرار الوطن، وتُخون كل من تعاون مع الاعداء. القوانين والمعاهدات الدولية تدعو لاحترام سيادة الدول وتنادي بعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتدين كل عمل يؤدي لزعزعة أمنها واستقرارها وتجرم تجنيد العملاء والمرتزقة والجواسيس. إنها مجموعة من المبادئ والقيم والتقاليد والأعراف والأنظمة والقوانين الهادفة والداعية لحفظ أمن وسلامة واستقرار الوطن، سوف يلتزم بها ويدعمها ويسعى لتنفيذها على أرض الواقع كل المواطنين المخلصين لدينهم ولقيادتهم ولوطنهم، ولن يقف ضدها إلا كل خائن ومرتزقة ارتضى لنفسه العمالة للخارج.

وإذا كانت المواطنة الحقيقية هي الأصل الذي نؤمن بوجوده، فإن ثبوت الخيانة والعمالة للخارج هي الاستثناء الذي يتطلب اجتثاثه والقضاء على أدواته، ولعل ما جاء في «بيان النيابة العامة» يدعونا جميعاً للوقوف خلف هذه المؤسسة الوطنية الأصيلة والعريقة ومساندتها وتأييدها بما قامت به من إجراءات تهدف من خلالها لتعزيز أمن وسلامة واستقرار الوطن، فمما جاء في بيانها يوم 02 يونيو 2018م التالي: «إشارة إلى البيان الصادر من رئاسة أمن الدولة بتاريخ 2 / 9 / 1439هـ بشأن القبض على عدد من الأشخاص بعد رصد نشاط منسق لهم وعمل منظم للنيل من أمن واستقرار المملكة وسلمها الاجتماعي والمساس باللحمة الوطنية، فإن النيابة العامة توضح إنه باستجواب المتهمين ومواجهتهم بالأدلة والقرائن المتوفرة ضدهم، أقروا بقيامهم بالآتي: 1) التواصل والتعاون مع أفراد ومنظمات معادين للمملكة. 2) تجنيد أشخاص في جهة حكومية حساسة للحصول منهم على معلومات ووثائق رسمية سرية للإضرار بمصالح المملكة العليا. 3) تقديم الدعم المالي والمعنوي لعناصر معادية في الخارج»... و»تؤكد أن التعامل مع المتهمين يجري بما يكفل كرامتهم ويضمن حقوقهم، وتوفير إمكانية الاتصال بذويهم وإعداد الأماكن المناسبة والمهيأة لإيقافهم وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية اللازمة لهم، وفق ما نصت عليه المادة (26) من النظام الأساسي للحكم والمادة (36/1) من نظام الإجراءات الجزائية التي كفلت جميعها كافة الضمانات والحقوق الأساسية التي يتمتع بها جميع المتهمين في مثل هذه القضايا.» إنه بيان مباشر متكامل الأركان قضائياً وقانونياً وأمنياً وحقوقياً ويعزز أصالة العمل المؤسسي الذي تأسست عليه وتعمل به مؤسسات الدولة.

وإذا كانت الخيانة والعمالة للخارج مسألة تستنكرها الأنفس العزيزة، فإننا نتساءل هنا ما الذي يريده ويتمناه ويتطلع له هؤلاء الخونة وعملاء الخارج؟ إنه سؤال يدعو للحيرة ولن نجد له إجابة سوية أو عقلانية أو منطقية، فإذا كانوا باحثين عن المال، فإنه يمكن الحصول عليه بعزة وكرامة في داخل وطنهم، وإذا كانوا باحثين عن الشهرة، فإن طرقها في الداخل متاحة، وإذا كانوا باحثين عن حقوق ومطالب، ففي دولتهم الأبواب مفتوحة والمطالب مسموعة والحقوق مصونة، وإذا كانوا ساعين لزعزعة أمن واستقرار الوطن، فإن أمامهم أمن لا يتزعزع وقضاء عادل وجبهة داخلية صلبة، ولن يحصدوا إلا ما حصده كل من سبقهم من الخونة وعملاء الخارج.

وإذا تستنكر الأنفس العزيزة الخيانة والعمالة للخارج، أيضاً تستغرب وجودها كلُّ نفسٍ أبية. إذ كيف يخُون الوطن من وُلد فيه وتربى على أرضه وعاش من خيراته، وكيف يتآمر على الوطن من تعلم على أرضه ودرس في مدارسه ونشأ وترعرع على ترابه، وكيف يتجسس على الوطن ويسعى لزعزعة أمنه واستقراره كل من أمِنَ على نفسه وعرضه وماله ودمه.

وفي الختام من الأهمية التأكيد أن هذا الوطن العزيز، منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز –طيب الله ثراه– تأسس على أسس قوية وقواعد صلبة استطاع بتلاحم جبهته الداخلية وبحكمة قادته السياسية أن يتغلب على جميع التحديات ويقضي على كل المؤامرات ويميز أصدقاءه الحقيقيين ويعرف أعداءه الظاهرين والمتخفين، إنه تاريخ وطن عزيز فيه الكثير من العبر البينة والرسائل المباشرة التي أثبتت للجميع أنه وطن لا يمكن ابتزازه أو التعدي على مبادئه وقوانينه وحدوده من أي طرف كان. فمن سعى لعزة الوطن سوف يكون عزيزاً داخلياً وخارجياً، ومن سعى لخيانته وارتضى العمالة للخارج سوف يكون منبوذاً في الداخل وذليلاً مُهاناً في الخارج.