وأخيراً وبعد علاقة طويلة امتدت لأكثر من ستة وأربعين عاماً وبكل ثقة وجدارة وأسس استراتيجية عميقة، أتى الأمر الملكي بإنشاء وزارة مستقلة للثقافة وفصلها عن الإعلام في خطوات مدروسة رسمها خادم الحرمين الشريفين وهندسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ضمن ثمار «السعودية الجديدة» المتأهبة لمستقبل واتجاهاته واحتياجاته حتى تحدياته.

وإنشاء وزارة سيادية مستقلة للثقافة قرار تاريخي ومهم، عبر عن رؤية نافذة ورغبة قوية تستهدف بناء ثقافة تليق بالوطن ومكانته وتدفع للمزيد من النضج والارتقاء بوعي المجتمع وتنميته وفتح الآفاق له للنمو الثقافي والمعرفي معاً، فالمملكة اليوم بثقلها الديني والسياسي والاقتصادي وبموقعها الريادي القيادي للأمة العربية والإسلامية لابد أن تظهر «القوة الناعمة» بإمكاناتها الثقافية الثرية المتنوعة وبرؤيتها الفكرية الأصيلة المعتدلة؛ ولتكشف كذلك عن التنوع الهائل في موروثها الوطني في بيئاته المختلفة لتعطي الصورة الحقيقية لوطننا وتعبر عن مرحلة الانفتاح التي يعيشها.

جميلٌ أن يتحول حلم المثقفين إلى حقائق؛ فكثير من الملفات مركونة وكثير من المبادرات توقفت، والوزارة أمامها ملفات كبيرة ومختلفة ومفصلية مهمة كملف الاندية الأدبية وجمعيات الفنون والثقافة وكذلك ملف السينما وصناعتها والفنون وتطويرها ونشرها ودعمها، والمعارض الداخلية والدولية التي تُعنى بتنظيمها والبحث عن آلية مهنية للمشاركات وتمثيل الوطن فيها بامتياز واقتدار رفيع يليق بمكانة المملكة، وكذلك دعم ملف المثقفين والمثقفات ودعمهم ودعم نتاجهم ونشره ومشاركاتهم المشرفة.

ننتظر من الوزارة الكثير الكثير وأرى أهمها تشكيل الهوية الوطنية الثقافية وتعزيز الانتماء لدى الناشئة بدءاً من المدارس ممتداً للجامعات كمشروع وطني تكاملي، ويأتي الاهتمام بتطوير المراكز الثقافية لتكون منطلقاً لنشاطات دائمة في جميع المناطق، إضافةً إلى تطوير العمل الثقافي وتحسين دور الأقاليم وتفعيل وجود المناطق في الثقافة، وتكريس دور المرأة في الثقافة، ولا ننسى أيضاً أهمية الاهتمام بالترجمة والكتاب والمتاحف وتوثيق الموروث الفني والثقافي على اختلاف مجالاته، وإنشاء مراكز الأبحاث في العلوم الإنسانية وتحويل الثقافة لصناعة ومنتج عبر خطط واستراتيجيات، والاهتمام كذلك بدور الملحقيات الثقافية ودعمها بالخطط والميزانيات والكوادر المؤهلة في الجانب الثقافي لتعزز دورها الفعّال علمياً وإشرافياً على الطلبة المبتعثين.

ويبقى المنعطف الأجمل في تفاؤل المثقفين، بتعيين الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود وزيراً للثقافة، شابٌ قياديٌ طموحٌ يمثل اتجاه دولتنا بقراراتها الفتيّة، صاحب الخبرات الإدارية والممارسات التطويرية في مسيرته ومحطاته الأوج؛ لذا سيكون على كاهله ‏‎الأمل الأكبر ورهاننا أن «بدراً» سيضيء ثقافتنا بإذن الله.