للغياب والحضور آثار ومآثر عدة، والتاريخ مدرسة لمن أراد أن يتعلم ويقرأ ما بين سطوره، لا أن يستخدمه لتبرير ما يُريد ويشتهي وينظر إليه في نهاية المطاف على أنه علم نظري..

الظهور والغياب عناصر مهمة في تحقيق الهدف، فالظهور الزائد يحصد لك العديد من الناقمين والأعداء حيث يصبح التنبؤ بك سهلاً، والغياب يحتفظ بوهج غموضك ويجعلك أكثر حماساً وفعالية وجهداً، وحينئذ تصبح أنت الأقرب للنيل من الهدف دون أقل خسائر.

تعلّم كيف تجعل الناس أمامك كـأنهم على خشبة المسرح وأنت خلف الستار، تُبرمجهم، وتُحرّكهم وفق ما تشتهي، واحذر أن تقوم بنفسك بهذه المهمة، اجعل الآخرين يقومون بذلك نيابة عنك، إنها غاية من المتعة وأنت ترى الآخرين ينفذون أجندتك الخاصة ويرمون بأيديهم إلى الجحيم ببراعة.

وللغياب والحضور آثار ومآثر عدة، والتاريخ مدرسة لمن أراد أن يتعلم ويقرأ ما بين سطوره، لا أن يستخدمه لتبرير ما يُريد ويشتهي وينظر إليه في نهاية المطاف على أنه علم نظري، وإن كان هناك مؤرخ يعتقد أن التاريخ علم غير قابل للتفسير العلمي وللنظريات، ويأخذ منه ما يُرضي معتقداته السطحية، فهذا ليس بمؤرخ؛ بل حكواتي ناجح وذو الخمس نجوم أيضاً. وعلى أي حال فيما يخص فكرتي الغياب والحضور ففي التاريخ الثوري مثلاً يظل اسم «تشي جيفارا» حاضراً، ورمزاً بطولياً في أذهان الثوريين حول العالم، وجيفارا المعروف بالثوري هو كوبي ماركسي، وهو بالأصل يمتهن الطب وبارعاً في الكتابة وزعيم حرب عصابات جيّد، وقائد عسكري كما يُريد بعض العسكريين تصنيفه، وشخصية مهمة في الثورة الكوبية، وأصبحت ذكراه مُنمّقة في الذاكرة وحاضرة إلى الآن، بيد أن هناك من يقف خلف كل انتصارات تشي جيفارا بصمت، واتخذ من عنصر الغياب وسيلة له لتحقيق نجاح الثورة بأقل زمن وخسائر ممكنة، ألا وهي المحاربة الكوبية «سيليا سانشيز».

فقد كانت سيليا شابة ذكية وسريعة البديهة، كثيرة التفكير، قليلة الحضور ولديها بُعد نظر في اختيار الكفاءات من الجنود وهي أول من أسس حركة 26 يوليو المعادية لنظام باتيستا الديكتاتوري، والتي أخذت على عاتقها فيما بعد تشكيل فرق قتالية لمحاربة هذا النظام في الريف الكوبي، وفي المدن الكوبية كافة وعملت على تدريب هذه الفِرق ليلاً ونهاراً، ولعبت سيليا الدور الأهم في جمع المقاتلين الأكفاء لتشكيل هذه الفرق، حيث عملت على انتقائهم بكل عناية وتريُّث، كما أنها كانت المسؤولة عن توفير الدعم الكافي لقوات جيفارا حيث دعمته بالرجال والأسلحة والمعدات اللازمة لمواصلة النضال.

فما كانت لتنجح الثورة الكوبية لولا الدعم السخي والمجهود الحربي الذي قدمته سيليا لجيفارا وكانت سيليا تعمل «بصمت» كحلقة وصل وحيدة بين فيدل «الرئيس الكوبي» وبين الخلايا الثورية داخل المدن، وكان الرئيس الكوبي فيدل يثق بها أشد الثقة، ويعتمد عليها كاعتماده على رفيقه تشي جيفارا في بناء القاعدة الجماهيرية العريضة المؤيدة والمساندة للثورة وخزان مقاتليها.

وبعد نجاح الثورة وتولي فيدل لمقاليد الحكم في كوبا، قامت سيليا بإنشاء معهد المحافظة على الوثائق التاريخية، وذلك لأنها كانت مهتمة جدا في التاريخ، واهتمامها بالتوثيق ما هو إلا إشارة على عمقها الفكري، وقد قامت بأرشفة كل الوثائق والرسائل التي تم إصدارها وتبادلها أثناء الثورة الكوبية.

بينما جيفارا كان له ظهور دائم مما فتح له جبهات عدة، صحيح أنه كان ذكياً ومُبهراً، إلا أني أرى أن لهذا الانبهار رداً عكسياً على مخططاته حينما كان يُناضل، ونتيجةً لظهوره الدائم أصبح الآخرون يتنبؤون بالكثير من قراراته وتحركاته، بينما سيليا كانت من تقف خلف الكواليس وكل من شارك في الثورة دون مبالغة، قد ساهم في تحقيق أهدافها وما تطمح إليه «سقوط النظام الديكتاتوري» ولأنها تعلم أن الماضي سيُصبح مستودعاً ضخماً من المعلومات التاريخية وضعت هدفاً أخيراً أمامها حين تنجح الثورة، وهو إنشاء المعهد المذكور أعلاه؛ لتتوّج الثورة بالحقائق والبراهين حينما يستخدم الإنسان بالمستقبل «الماضي» ليتأدّب ويتعلّم، لا أن يُصبح أحمق ويتعلم من تجاربه فقط.