في يناير 1957م قام الملك سعود بزيارة تاريخية للولايات المتحدة الأميركية حملت تلازماً جدياً بين السياسة والإنسانية الفريدة، تمثلت بالأمير الصغير "مشهور" الذي كان يرافقه للعلاج، وعلى الرغم من أهمية الزيارة من ناحية سياسية إلا أن الإعلام الأميركي انشغل أكثر بتسليط الضوء على الجوانب البعيدة عن أجواء السياسة وتصدرت عناوين الصحف وصفحاتها الأولى صور الأمير بملامحه ولباسه العربي الأصيل، واستطاعت لفت أنظار الكثير من الشعب الأميركي الذي نزل إلى الشوارع لاستقباله محمولاً على أكتاف والده وعرّفت الصور العفوية التي تناقلتها الصحف الأميركية الحنان الأبوي الفريد بالمملكة العربية السعودية وشعبها التي كانت لاتزال فتية أكثر من أي وسيلة مخطط لها.

المشرف على ضيافة قصور الملك سعود السويسري هوسويه أرنولد رافق الملك في تلك الرحلة وحملت مذكراته وصفاً لجوانب مهمة من الزيارة وقد سبقه أرنولد مع بعض الحاشية إلى القاهرة والذين أقاموا في فندق سميراميس فيما أقام الملك بعد استقباله من الرئيس جمال عبدالناصر في القصر الرئاسي وفي حفل عشاء للسفارة الأميركية بالقاهرة التقى أرنولد مراسل مجلة "تايم الشرق الأوسط" وطرح عليه بعض الأسئلة عن الظروف في السعودية وأخبره أنه لتوه أنجز تقريراً رئيساً للمجلة ستنشر بالتزامن مع وصول الملك لنيويورك لم يكن قد بدأ إجابته عندما اقتحمت عليهم المكان المندوبة الصحفية التي رافقتهم من الرياض صارخة: هوسويه لا تتحدث إليه لا تقل له شيئاً سوف يحور كل ما تقوله ثم سيكتب أكاذيب وهمية عن السعودية وينسبها إليك.

وفي مطار القاهرة لفّت مغادرة الملك وحاشيته أبهة كبرى إذ نصبت خيمة احتفالات على أرض المطار وتجمعت أفواج من المصريين للترحيب بالملك. كانت الطائرات الثلاث التابعة للخطوط السعودية قد جهزت للإقلاع. وصل الملك وعبدالناصر وسط عاصفة من الترحيب ثم افترقا عند سلم الطائرة بعد أن تبادلا السلام واقلعت الطائرة الملكية وفي الكراسي الأخيرة كان يجلس الأمير مشهور مع ممرضته المصرية وفي مطار نابولي هبطت الطائرات وأقيم حفل استقبال مبسط قبل نقل الوفد إلى فندق إكسلسيور إذ صادف وصولهم انطفاء الأنوار أثناء تكدس الحقائب وعلا صراخ النساء بينما هرع الحجاب لإشعال أعواد الثقاب، ولم يستل العرب سيوفهم كما قال أرنولد لكنهم استخدموها مغمدة وسط البلبلة للوصول إلى الملك والاطمئنان على سلامته وفي الصباح الباكر من اليوم التالي صعد مشرف الضيافة إلى سفينة إس إس التي ستبحر بالملك ووفده إلى نيويورك، وتناقش معهم حول قوائم الطعام الخاصة بالملك وحاشيته مبيناً له العادات والمحرمات الدينية وناوله قائمة الطعام الجديدة. وبحسب أرنولد كان أغلب أفراد حاشية الملك قد سبقه للسفينة قبل أن يصل وخلفه مشهور الذي تلازمه ممرضته وسط عاصفة من الترحيب مبيناً أن الرحلة كانت ممتعة عدا القليل من الاستثناءات تمثلت في بعض المرافقين العرب الذين تقدم لهم قوائم الطعام مبهمة وتفادياً للإحراج حتى لا يكشفوا جهلهم باللغة الإنجليزية كان أكثرهم بعد مداولات طويلة يشير إلى البند الأول في القائمة والذي كان يشير إلى تاريخ اليوم.!!

صور الأمير الصغير تصدرت الصحف وعرّفت الشعب الأميركي بالمملكة

كانت الرحلة طويلة وكان الملك وابنه الصغير وحاشيته محل اهتمام المصورين الهواة وكان الملك يخرج يومياً إلى سطح السفينة المشددة الحراسة للمشي والتمتع بنسائم البحر يقول أرنولد: لم تسبق لي رؤية الملك على هذا القدر من السرور وراحة البال كما رأيته خلال هذه الرحلة عبر الأطلسي والذي أقام احتفالاً شمل ركاب السفينة استقبلهم بنفسه وصافح بلا كلل يد كل ضيف موضحاً أنه تم تخصيص غرفة المراسلات مسجداً للملك الذي كان يؤم المصلين وقت كل صلاة مثلما يؤم المجموعات في زياراته لمخيمات البدو. وكان القيم على السفينة يدخل يومياً إلى الغرفة قبيل وقت الصلاة لتحديد اتجاه القبلة وإلصاق ورقة تشير إلى وجهة الكعبة. وكان المصورون يحتشدون لتصوير منظر الصلاة حتى مع محاولات حجب الغرفة حفظاً لخصوصية الصلوات.

في اليوم الأخير تعين عليهم الرسو في نيويورك مع طلوع الفجر وانتقل الضيف وحاشيته على سفينة أخرى على متن أسطول من المدمرات ورفض المحافظ طلباً روتينياً من وزارة الخارجية إلى تنظيم الاستقبال التقليدي وبين أسباب رفضه لجريدة نيويورك تايمز في 29 / يناير/ 1957م نشرته على صفحتها الأولى وتضمن أن السبب معاداة الملك سعود للصهيونية اليهودية والكاثوليكية ومنعه أي كائن كاثوليكي من إقامة القداس للعاملين في السعودية. لكنه استقبل استقبال حافل واستقبال شرف من حكومة الولايات المتحدة الأميركية ورافق الملك عند نزوله قائم مقام الرئيس الأميركي إيزنهاور حاملاً على كتفة الأمير الصغير وتوالت الاحتفالات ومظاهر الترحيب على أعلى المستويات قبل أن يرسل الرئيس إيزنهاور طائرته الخاصة لنقل الملك سعود إلى واشنطن واستقبله بنفسه في المطار وهو شرف لم يمنحه لأي زعيم أو رئيس دولة منذ أربع سنوات واستقل الملك حاملاً في حضنة الأمير الصغير السيارة مع الرئيس الأميركي ونزل مع حاشيته في قصر بليرهاوس بطابعه الذي كما شبهه أرنولد: نزلاً ريفياً حتى وهو مخصص لإقامة أهم الشخصيات في العالم مما استدعى أحد قهوجية الملك إلى التعليق قائلاً: إنه لابد أن الرئيس إيزنهاور فقير الحال لينزل ضيوفه في قصر قديم كهذا.

وخلال هذه الرحلة أدخل الأمير الصغير مستشفى "والتر ريد" لتلقي العلاج. وخضع لعملية ناجحة أقام المستشفى على إثرها حفلاً خاصاً طافت به الصحف ولكن صور الأمير مشهور من أول ظهور له في حضن أبيه وهو يستقل السيارة إلى واشنطن. كانت كافية لتوقظ خيال الشعب الأميركي حتى أكثر الصحفيين ميلا للانتقاد عجز عن إحباط تجاوب الشعب الأميركي مع الفتى الصغير. شكلت الحفلة التي أقيمت من أجله في المستشفى حدثاً اجتماعياً عالمياً للأطفال. وكانت عيناه المستديرتان البريئتان وابتسامته العابثة التي ظهرت في كل صحيفة رئيسة في الولايات المتحدة الأميركية وراء اتخاذ الإعلام هناك منحى لصالح دولة حديثة مثل المملكة العربية السعودية أفادها أكثر مما كان لأي وسيلة ترويج متعمد أن تحققه. وأحبط تماماً مخططات العمدة في نيويورك "واغنز" الذي حاول تشويش الزيارة التاريخية.

الملك سعود يحمل نجله مشهور والأمير الصغير يحمل بطاقة يشكر الأميركيين على تهنئتهم بشفائه
الملك سعود وروزفلت وفي الصورة الأمير مشهور