تباينت ردود الفعل لقرار خادم الحرمين الشريفين بفصل قطاع الثقافة عن الإعلام وفي وزارة مستقلة. وبالرغم من الإجماع على أهمية القرار الذي يؤسس لمرحلة تاريخية في المملكة إلا أن أصوات البعض تعلو على الآخر. ففي المجتمع تصنيفات ترفع البعض وتقصي الآخرين وهي سنة في المجتمعات الإنسانية خاصة عند تقاسم الثروة. وهكذا برز لدينا ولسنوات طويلة ودون اعتراض تصنيف «المثقف»، وذلك في مشهد فوقي وكأن الثقافة أحد منتجات الأبراج العاجية. وعدم وجود الاعتراض أن «كعكة» التصنيف صغيرة فجعلت المصنفين أول الهاربين. فنامت الأندية الأدبية وحلت محلها مجالس وندوات من ينفق من الوجهاء، وترهلت بقية الأنشطة الثقافية إلى أن أصبحت حتى الصفحات الثقافية نخبوية.

لكن عندما أصبح لدينا وزارة ويقودها الأمير الشاب بدر آل سعود وهو المتطلع والطموح لتطبيق رؤية المملكة 2030 فهذا يعني أن الثقافة سوق اقتصادية واعدة. ويجب ألا يستبشر فقط من يصنف نفسه أو تصنفه «شلة» ثقافة بأنه مثقف. وليحتكم الجميع للأفق الواسع للثقافة. فهي ليست مجالاً للتعليم وللإبداع معا بمعنى أن الكثير من برامجها مكتسب والبعض ذاتي. وهي للمثقف النخبوي كما هي للمثقف الحرفي الشعبي، فمثلا لا يستقيم مهرجان الجنادرية للثقافة والتراث بالندوات الفكرية فقط، وإنما بما يدور في القرية الشعبية. وهي كذلك سوق عمل واعدة وفرص وظيفية غير مسبوقة.

وبالتالي أعتقد أن أهم أعمال وزارتنا الجديدة وبقيادة هذا الشاب المتفائل ألا تؤسس لتعقيدات إدارية، فالثقافة مجال واسع لما يعرف عالميا بـ»التوظيف الذاتي» للإنتاج الثقافي ويجب حمايته.

ولعلنا نتساءل: لماذا نقف ونستمتع بفنون الشارع في دول العالم؟ الجواب ببساطة أن هناك حماية للإبداع حتى وإن كان بمهنة الاستجداء والشحاذة. ولنا كسعوديين تجارب حول العالم مع هؤلاء، ولعل «عجوز الشارع الثالث - البرومنيد» في سانتا مونيكا خير مثال نستطيع التعرف عليها عبر اليوتيوب وتفاعل السعوديين معها.

باختصار الثقافة سوق واعدة في التعليم والتأسيس والتسويق وللنخبة وللشعبي ويجب أن تكون. وهي ما يطمح له سمو ولي العهد بالرؤية للوطن وللمواطن وتحقيق طموحات وتطلعات القيادة. تقول المخرجة المسرحية بورني موريل بعد أن تعبت من عدم اهتمام بريطانيا بثقافة ومسرح الطفل: لدينا مشكلتان في هذا العالم؛ الأولى كيف نعيش مع الآخرين، والثانية كيف نعيش مع أنفسنا.. وفقط في المسرح تستطيع أن تعيش وتتعايش مع التجربتين. فهل يتعايش المثقفون مع أرباب الثقافة الشعبية؟