الإنسان يثق بعينيه أكثر من أي شيء آخر.. تقول للناس «لن أصدق حتى أرى بعيني» وتقول العرب «من رأى ليس كمن سمع»..

غير أن أعيننا مخادعة وقاصرة ولا يمكنها رؤية عوالم خفية ومجهولة تعيش معنا.. تعجز مثلاً عن رؤية الأجسام المجهرية، والبالغة الضخامة، والسريعة جداً، والبطيئة جداً، والبعيدة جداً، والمظلمة جداً، والشفافة جداً، وما يقع خارج الطيف الضوئي..

تعجز عن رؤية الميكروبات والجراثيم والجن والشياطين وما يتحرك بسرعة هائلة (كريش المروحة) أو بطيئة للغاية (كتفتح الأزهار) أو لا يصلنا ضوؤها (كالثقب الأسود) أو يسمح بمرور الضوء كاملاً (كالهواء والزجاج والغازات الشفافة)..

تعيش داخل جسدك وفوق جلدك مليارات الميكروبات التي لا تراها، ولكنك بالنسبة لها كون بالغ الضخامة لدرجة لا تراك هي أيضاً (تماماً كالجسد الكوني الذي نعـيش نحن داخله أو فوقه)..

تتحرك ذرات المادة بسرعة تجعلها غير مرئية (كأسلاك الدراجة حين تدور بسرعة) ومع هذا تشعر بوجودها (كما لو حاولت إقحام يدك خلال عجلة الدراجة) الأمر الذي يفسر صلابة الصخور رغم تكونها من جزيئات متحركة..

إيمانك بوجود الجن والشياطين والملائكة يعني تلقائياً إيمانك بوجود مخلوقات طيفية لا تراها لوقوعها خارج النطاق الضوئي - رغم أنها قد تشاركك نفس الغرفة..

المدهش فعلاً، أن أعيننا (مع بقية حواسنا) تساهم أيضاً في خلق الوجود ذاته.. فـنحن مثلاً نعتبر الأشجار والجبال وكافة المواد «موجودة»؛ لأن أعيننا قادرة على رؤيتها وإدراك طبيعتها.. ولكن حتى مئة عام مضت لم يكن أحد يعتبر الجراثيم والميكروبات والذرات حقيقية أو موجودة، لأننا ببساطة لا نراها ولا ندرك طبيعة وجودها..

حتى ما نراه وندرك وجوده (كالجمادات) لا يمكننا التأكد من طبيعته الأصلية.. فـأعين المخلوقات مثلاً ترى الأشياء بطرق مختلفة ومستويات متفاوتة.. فالوردة التي نراها نحن حمراء، تراها القطة رمادية، والنحلة بنفسجية، والحشرات خضراء، والأفعى متوهجة.. لا أحد يمكنه الجزم باللون الحقيقي للوردة (وكل الأشياء التي نعتقد أننا نراها) لاختلاف مستويات الإحساس بين المخلوقات!!

المؤكد أن الإنسان ليس مخلوقاً مثالياً ولا كاملاً ليفرض شكلاً مطلقاً للعالم.. ولكنه في المقابل يملك ذكاء أتاح له ابتكار التلسكوبات الفضائية، والمجاهر الإلكترونية، ومشاهد عوالم جديدة تماماً لا تستطيع عينه المجردة رؤيتها (كالميكروبات، والفيروسات، والجزيئات، ومليارات النجوم والمجرات السحيقة)..

ورغم التقدم الحالي في تقنيات الرؤية، تظل هناك عوالم خفية يصعب رؤيتها مهما بلغ تطورنا في المستقبل.. فحين كان الناس قبل ألف عام يقرؤون قوله تعالى «ويخلق ما لا تعلمون» كانوا يعلمون بوجود الجن والشياطين، ولكنهم لا يعلمون بوجود الميكروبات والفيروسات.. واليـوم أصبحنا نعلم بوجود الميكروبات والفيروسات ولكن الآية ذاتها لم تتغير وظلت تحمل (نفس التحدي) الذي يوحي بوجود مخلوقات غامضة ماتزال في علم الغيب..

المدهش؛ أن الناس سيقرؤون نفس الآية بعـد ألــف عام ويتساءلون مثلنا اليوم: ماذا بقي لم تره أعـيننا بعـد!!