لا يمكن إغفال ثبات ورسوخ المنظومة الفكرية والثقافية والقيمية التي تتمتّع بها بلادنا الفتيّة الناهضة رغم أننا نعيش وسط واقع عولمي هادر عصف بالأنساق والمفاهيم والتوزانات وكثير من الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية والرمزية؛ إذ استتبع هذا الثبات متانة الهوية والتلاحم المجتمعي اللذين حالا -بفضل الله- دون التشتت والتذرّر العقدي الذي طال بعض الدول نتيجة لهشاشة منظوماته الفكرية والثقافية التي أفضت إلى عنف رمزي ومادي قوّض موحِّداتها الوطنية. فالثقافة والعمل الثقافي كانا ولا زالا من طبيعة الإنسان ووعيه الذي هو جزء لا يتجزّأ من ماهيّته، ومن رهاناتها أنها تتيح إمكان أن تجعل من الماضي في جوانبه الفعّالة المشرقة حاضراً أكثر فعالية وإشراقاً وهو ما نحتاجه في المرحلة المقبلة من استثمار لموروثنا الغني والثري وتقديمه للأجيال في صورته الناصعة الخليق بها.

الأوامر الملكية التي صدرت أمس كانت ترجمة حقيقية لتموضع الثقافة في رأس وقلب اهتمامات القيادة الراشدة؛ فهي لم تنظر للفعل الثقافي كترف فكري أو نشاط ترفيهي يمكن خلاله تزجية الوقت واستثمار الطاقات الإبداعية الخلاّقة في أعمال ونشاطات فكرية فكرية محضة منفصمة عن الواقع، بل كانت إيماناً بأنها رهان المرحلة؛ فمن خلالها يترسّخ نسق ثقافي موحَّد يصهر المجتمع في بوتقة هويّاتية تعلو وتتسامى عن أي انقسام أو تمذهب أو طبقية؛ مجتمع لا يرتهن لهيمنة أي أيديولوجية.

لا شك أن مملكتنا بشساعة مساحاتها تتمتع بثراء ثقافي نادر وحضارة ضاربة جذورها في الأصالة والعُمق والاستنارة.

إن الأوامر الملكية التي وضعت الثقافة نصب عينيها جديرة بالاحتفاء والتعاطي معها كما يليق بها وبأهميتها في صوغ المرحلة الراهنة والمستقبلية، ومن المهم جداً لكل معني بالثقافة أن يكون على قدر المسؤولية والتحدي، فاستحداث وزارة مختصة بالثقافة يعكس أهمية التعويل عليها كرأس مال مادي وبشري ورمزي في خلق مجتمع واع ومستنير يعي أدواره ومهامّه المتعددة مستفيدين من عمق مدلول الثقافة التي هي مجموعة من القيم والمعتقدات التي تعطي معنى لطرق الحياة وتُنتج ويعاد إنتاجها من خلال أشكال مادية ورمزية. فالثقافة تمنحنا القدرة على النظرة الاعتبارية للعالم وتبصّرنا بتحديد أولوياتنا وكيف نقتفي أثر الأفكار والممارسات والأشياء وتمنحنا أيضاً خارطة جغرافية ثقافية نرى من خلالها مواقعنا ومواقع الآخر المُختلِف وثقافته وإدارة اختلافنا معه؛ فمن مهام الثقافة أنها مُؤسِّسة لبناء الاجتماع الإنساني وطبيعتها تسائل الراهن والمستقبل ومحكومة بنزوعها وانحيازها لكل ما فيه خير للفرد والمجتمع.