قد يكون هذا المقال هو الأول الذي يقرؤه الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان وهو يباشر عمله وزيراً للثقافة لذا سأحاول أن أنقل من خلاله جانباً من هموم المثقفين والأدباء والفنانين الذين يأملون في أن تكون الوزارة الجديدة نافذة لتحقيق آمالهم وطموحاتهم الإبداعية.

بداية لا بد من التأكيد على أن الثقافة بمفهومها العام ليست حكراً على طبقة أو أدب أو فن بعينه فهي شاملة لكل ما نمثله من عادات وقيم وتقاليد وموروث شعبي أصبح مهدداً بالزوال والتشويه بعد أن حرم من التوثيق القادر على الحفاظ عليه.

اللهجات، الصناعات اليدوية، الألعاب والفنون والأهازيج الشعبية، (السلوم) والعادات المتوارثة، البناء، الزي التراثي بكل تنوعه واختلافه من منطقة لأخرى.. كل ما تقدم يمثل المرتكز الحقيقي لما نحن عليه وما سنصبح عليه مستقبلاً.

لا يمكن استيراد الثقافة كما لا يمكن البناء على قاعدة غير واضحة المعالم، ومن الصعوبة بمكان الانفتاح على الثقافات الأخرى دون أن يكون لديك ما تعتز به وتستطيع تقديمه للآخرين.

من هنا يمكن التأسيس لثقافتنا الحقيقية التي يمكن من خلالها نقل صورة مشرقة عن بلادنا الغنية بإرث إنساني عظيم ومختلف بالشكل الذي يمثل لوحة فسيفساء نادرة قل أن تجد لها مثيلاً.

ما الذي يمنع أن نشاهد عزفاً على الربابة في افتتاح دار الأوبرا المرتقبة؟ أو نسمع المزمار والمزميرة بمصاحبة إيقاعاتنا المشهورة في تجانس مع بقية الآلات الموسيقية المعروفة؟

وقس على ذلك الكثير من الفنون الأدائية والرقصات التي ستصنع عروضاً فنية عالية القيمة والمردود المعنوي والمادي.

لا نريد أن يكون تاريخنا موسمياً، فلا نراه إلا في المهرجانات والاحتفالات الرسمية، ثم يغيب بانتظار مهرجان سنوي أو مناسبة محدودة التوقيت والمكان.

هل من الممكن استقطاب كل من يشارك في هذه الفعاليات من مؤدين وحرفيين والاستفادة منهم كمحترفين يتفرغون لفنهم، وتمنح لهم رواتب ثابتة لتحسين ما يقدمونه ونقل ما يملكونه إلى هذا الجيل الذي لا يعرف من تراثنا إلا الشيلات؟!

هذه هي الانطلاقة الحقيقة لثقافتنا الجديدة، ودونها سيضيع الموروث ويختفي الفن الحقيقي الذي أصبح في معظمه دون جذور أو مرتكزات باستثناء اجتهادات فردية نادرة.

في الأخير، لا بد أن نغير المفهوم السائد أن الثقافة ما «توكل عيش» فنحن بحاجة إلى أن نعلي من قيمة المثقف خصوصاً ذلك الذي ينتج الأدب والفن الرفيع الذي يتراجع بشكل كبير أمام ما ينتج ويؤلف بهدف زيادة نسبة التوزيع على حساب القيم والأخلاق وتشويع المجتمع.

لا نريد أن نرى المثقف «يشحذ» العلاج أو لقمة العيش بعد سنوات من البذل والعطاء.. نريده أن يشعر بالأمان ليبدع وألا يتخلى عن ريشته أو قلمه ليبحث عن وظيفة مضمونة تحرمنا مما سينتجه من إبداع.