بمناسبة مرور عام على تولي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمنصبه الرئاسي في قصر الإليزيه أُجريت معه مقابلة تليفزيونية مهمة تستحق التوقف، حيث أثار في تلك المقابلة نقاطاً مهمة خاصة في تعليقه على قضية الإرهاب وحاجة المجتمعات عامة وفرنسا خاصة للحماية من التطرف العقائدي.

ومما أثاره الرئيس الفرنسي ما يلي:

«إن نقطة الضعف الأساسية في الشعب الفرنسي أو الشعوب الغربية تكمن في كونها قد أسقطت فكرة المُطْلَق، وحين نُسقطه هنا فإن المطلق لن يلبث أن ينبعث في مناطق أخرى وتتبناه أنظمة أخرى قد لا تكون ديموقراطية بالضرورة، فتلجأ لاستغلاله في تحقيق أهدافها التوسعية السياسية وإحلال العنف باسم العقائد».

ويضيف الرئيس ماكرون مرضحاً: «إن نظاماً من القيم الإنسانية والمُثُل العليا لن يُكْتَب له الصمود ما لم نكن مستعدين لتضحية حياتنا في سبيله، ضعف مجتمعنا يكمن في فقدنا فكر الاستعداد لفدائه بأرواحنا، ليست هناك مغامرة مهمة لأننا لسنا مستعدين للاستشهاد في سبيلها».

بمعنى أن الابتعاد عن الله وفكر الماوراء والحياة الآخرة يضعف قدرة الشعوب على التمسك بقيمها والاستعداد للاستشهاد في سبيل تلك القيم..

الحقيقة التي تجسدت وتسلط عليها الضوء في ردود الفعل تجاه الصدمة التي أحدثها سلوك الضابط الفرنسي أرنو بيلترام Arnaud Beltrame، رجل البوليس الذي افتدى بحياته رهينة وأنقذها من الإرهابي الذي احتجز ضحاياه في مركز تسويق بجنوب فرنسا، الضابط بيلترام بسلوكه الاستشهادي شكل صدمة إيجابية للشعب الفرنسي لكونه أعاد بعث فكر الفداء والشهادة في سبيل القيم الإنسانية العليا وفي سبيل المطلق، إن استشهاد الضابط هو أشبه بالبعث لفكر غيبته المادة والركض الحثيث في عالمنا لإعلاء الفكر المادي، لذا تم تشييع جثمان ذلك الرجل المثال كالأبطال من ساحة الإنفاليد حيث قبر نابليون، ومُنِحَ وسام الشرف وهو أعلى وسام يمنح لمن يبذلون حياتهم من أجل الوطن، وحضر جنازته الرئيس إيمانويل ماكرون وألقى خطاب تأبينه، كما حضر الجنازة الرئيس السابق فرانسوا هولاند ونيكولا ساركوزي وفاليري جيسكار ديستان.

ونتوقف بالنقطة العميقة التي أثارها الرئيس ماكرون والتي تتلخص في حاجة البشر للمطلق، إذ من دون المطلق لا ضمان لمستقبلٍ خَيِّرٍ للبشرية، إذ تفقد الحياة جوهرها ويفقد الوجود البشري قيمته وترخص الأرواح وتستشري الضواري، إذ لا ضمان إلا في المُطْلق.