غرد أحد «الدعاة» الخليجيين برواية مشكوك في صحتها عن أحد الأئمة - رحمهم الله - أنه قال: «لو كان لي سلطان على من يفسر القرآن بالرأي والعقل لا بالأثر والنقل لضربت عنقه».. وذلك في سياق تحذيره من فكر أحد المشتغلين بالتفسير الذي برز نجمه أخيراً، لكن هذا الداعية تفاجأ بحجم الرفض لتغريدته، فراح يبرر ويشرح، وأعتقد أن 99 % من قراء تغريدته «التحريضية» لم يقرؤوا تغريداته التبريرية والتوضيحية.

لقد فات الداعية - الذي مازال يكابر ولم يحذف تغريدته - أن الوعي العام تجاوز خطابه التحريضي، وأن الناس ما عادت تنساق خلف الأصوات العالية، وصار لديها الجرأة على إعمال العقل ورفض الوصاية!

فاته أيضاً أننا أخذنا من الدروس ما يكفي لنتعلم من أخطائنا، ونرفض دعوات الشر والتحريض ونجهر بموقفنا منها.. وإنه قد ولى ذاك الزمان الذي كنا لا نجرؤ فيه على الوقوف في وجه مختطفي الدين والفهم السوي لتعاليمه.

لكن لا بد لنا أن نتخيل تأثير مثل هذه الدعوة لـ»ضرب الأعناق» لو تلقفها شاب متحمس!!، ماذا سيمنعه لو فرضنا أنه يسكن قريباً من ذاك المفسر من فهم هذه التغريدة، وهذا القول الملفق على أنه دعوة للتربص بالمفكر وقتله.. لأن الإمام بحسب هذا الداعية دعا لضرب أعناق المفكرين!!

فإذا لم يكن هذا هو الإرهاب فما هو الإرهاب؟ وكيف يغفل هذا الذي يدعي العلم عن خطر مثل هذه التغريدة التحريضية على بعض الشباب المتحمس الجاهل بأبجديات الاختلاف، والمتعصب لرأيه؟

لا شك أن هذه هي النبتة التي يجب علينا أن نتأكد من استئصالها من جذورها، لأن المواجهة مع الإرهاب ليست مواجهة مع أدوات لا حول لها ولا قوة، بل هي في الدرجة الأولى مواجهة مع منظري هذا الفكر، مع أولئك الذين يعتقدون أننا عندما نتحدث عن الإرهاب فإننا لا نتحدث عنهم.. لأن «المواجهة الفعّالة للفكر المتطرف ترتكز على الدخول في تفاصيل أيديولوجيته، ومن ثم العمل على تفكيكها بالأدلة الشرعية والعقلية» كما قال (مركز الحرب الفكرية).

وللأسف أعرف وتعرفون الكثير من المحرضين في مجالسنا الذين لا يدركون عواقب استخدام مثل هذه النصوص؛ وأنها تعتبر تحريضية وكارهة في كل المقاييس الأخلاقية والقانونية، وتستوجب الملاحقة القضائية قبل الرفض الاجتماعي.

إنه بلاشك شيء محبط أن نجد بيننا بعد كل هذه السنوات من الحرب على الإرهاب مثل هذا الفكر التحريضي، الذي يبدو أننا لم ندرك بعد خطورته، لكن العزاء في حجم الرفض الكبير الذي واجهه ذلك المغرد من متابعيه.. العزاء في الوعي الشعبي الذي بات يحاصر مثل هذه الدعوات ويواصل تعرية أصحابها من جلود الحملان.