التسوية الودية لا يترتب عليها إقرار أي من الطرفين للطرف الآخر بصحة ادعاءاته أو استحقاقه لما يطالب به، وأن مثل هذه التسويات يجب أن تراعي إغلاق الطريق على أي من الطرفين - وخاصة هيئة الزكاة - في العودة لفتح ملف النزاع مجدداً بعد سنوات، لأي مبررات..

تعتبر الضرائب من أهم مصادر الدخل التي تعنى بها الدول جميعاً، وفي المملكة يضاف لها الزكاة الشرعية التي تجبى من المكلفين وفق التعليمات والأنظمة الخاصة بذلك.

وقد تناولت في مقال سابق أهم جوانب ومستجدات إجراءات التقاضي للمنازعات الزكوية والضريبية، وأوضحت في ذلك المقال بعض الصعوبات والتعقيدات التي قد تكتنف مثل هذه الإجراءات، وما يترتب على ذلك من تعطيل حق الدولة في تحصيل ديون الزكاة والضريبة المستحقة لها، حتى تنتهي إجراءات الاعتراض على تلك الديون، ويصدر بها قرارات قضائية نهائية تقرر وجوبها على المكلف.

وفي الوضع الحالي الذي يشهد عدة متغيرات جذرية، ومؤثرات واضحة على هذا الملف، قد يكون من أنجع أساليب سرعة تحصيل حقوق الدولة، الزكوية والضريبية، سلوك طريق التسويات الودية والتصالح مع المكلفين، في بعض الملفات المعقدة، ذات المبالغ الكبيرة، والتوصل إلى اتفاقات ودية تقفل نهائياً هذا الخلاف بين هيئة الزكاة والدخل والمكلفين، بما يسهل على الدولة سرعة تحصيل ما انتهت إليه تلك الاتفاقات من مبالغ في ذمة المكلفين.

ورغم ما يتسم به هذا المسلك الودي من جدوى واضحة؛ إلا أن المطالع للأنظمة الزكوية والضريبية، يجدها تخلو تماماً من أي نص نظامي يعطي للهيئة العامة للزكاة والدخل، أو لوزير المالية بصفته المرجع لها، أي حق لإبرام مثل هذه التسويات الودية والاتفاقيات، وعلى ذلك فإنه في غياب النص القانوني المجيز لمثل هذه الاتفاقات يصبح من المتعذر على الهيئة العامة للزكاة سلوك طريق المفاوضات وعقد التسويات الودية للنزاعات الزكوية والضريبية القائمة بينها وبين المكلفين.

فقد نص نظام ضريبة الدخل في الفصل الخامس عشر منه على أن من صلاحيات وزير المالية، إسقاط دين الضريبة متى توافرت أسباب استحالة تحصيلها، وقد وضحتها اللائحة التنفيذية لهذا النظام، وبالطبع تختلف حالات إسقاط الدين عند استحالة تحصيله عن مسألة التسوية الودية مع المكلف رغم إمكانية التحصيل.

ويمكن تلخيص بعض النقاط المهمة حول الموضوع في التالي:

أولاً: ينبغي مراعاة التحول الكبير الذي تشهده المملكة - وسبق لي الإشارة إليه في مقال سابق - يتلخص في توجه الدولة الجديد والحازم لتحسين مستوى أنظمة الزكاة والدخل ووسائل جبايتها، وفي سبيل ذلك صدرت عدة أنظمة جديدة وعدلت أنظمة سابقة، لتحقيق هذه الغاية، مما أصبح معه الحمل كبيراً جداً على الهيئة العامة للزكاة والدخل، قد يصعب عليها معه أن تتقصى بشكل كامل ودقيق كل ما يستحق على المكلفين من ديون زكوية وضريبية، وهي تبذل في سبيل ذلك جهوداً مضنية ومضاعفة، إلا أنها قد تحتاج للكثير من الوقت مستقبلاً لمواكبة هذه التطورات الضخمة المتسارعة. ولا يخفى أن تفعيل التسويات الودية لمنازعات الزكاة والضريبة ذات المبالغ الكبيرة، يوفر على الهيئة الكثير من الجهد والوقت الذي يمكن الإفادة منه بشكل أفضل لممارسات مهامها الجسيمة.

ثانياً: أنه في ظل الواقع الحالي لإجراءات النظر في المنازعات الزكوية والضريبية، فإن الوقت الذي يستغرقه الفصل فيها طويل جداً، وهذا الوقت تبقى فيه ذمة المكلف مشغولة، وتبقى جهود الهيئة مرتبطة بمتابعة ملفات هذه القضايا، ولا شك أن التسوية الودية تحسم ذلك في وقت وجيز بما فيه مصلحة الطرفين.

ثالثاً: أن الأوضاع الاقتصادية والتحول الضخم الذي تشهده المملكة، يجعل من أنجع الوسائل لمواجهته اتخاذ كل السبل التي تكفل تحقيق موارد مالية كبيرة وبأسرع وقت، بما يعين الدولة على تحقيق خططها وإصلاحاتها بشكل أفضل.

رابعاً: أنه من خلال خبرتي واطلاعي على عدد ليس قليلاً من المنازعات الزكوية والضريبية، فإن الأحكام النهائية الصادرة فيها قد تصدر على خلاف ما تراه وتقرره هيئة الزكاة والدخل، وذلك لصالح المكلف، وبذلك فإنه قد يكون الأصلح للهيئة تحصيل بعض مطالباتها بطرق التسوية الودية في وقت وجيز، بدلاً عن إضاعة وقت طويل قد ينتهي لغير صالح الهيئة.

خامساً: أنه من اطلاعي أيضاً فإن بعض ملفات المنازعات الزكوية والضريبية، يصاحبها تكدير العلاقة بين الهيئة والمكلف، وهذا له آثاره السلبية مستقبلاً على حسن تجاوب المكلف وقناعته في عدالة الزكاة أو الضريبة، وبالتالي يحاول التملص منها أو تعطيل دفعها، بينما التسويات الودية تعالج ذلك، وتنهي ملف النزاع بما يحفظ العلاقة الإيجابية بين الطرفين؟

ومثل هذا الموضوع طويل واسع لا يمكن استيعاب كل جوانبه في مقال؛ إلا أني أردت التنويه عنه، لطرح مقترح بأن يعاد النظر في نصوص الأنظمة الزكوية والضريبية، بتضمينها ما يجيز لصاحب الصلاحية فتح باب التفاوض على المبالغ المتنازع عليها، وفق قواعد ومبادئ واضحة ودقيقة تعلن للعموم.

ومن الناحية القانونية وفي حال تمّ ذلك فإنه ينبغي ملاحظة مسألتين هما:

أولاً: طبيعة مثل هذه الاتفاقيات الودية، وهل تكون بمثابة قرار ربط زكوي أو ضريبي معدّل؛ أم بمثابة عقد بين الهيئة والمكلف، وفي كلا الحالتين مدى جواز الاعتراض عليه أمام القضاء المختص.

ثانياً: أن التسوية الودية لا يترتب عليها إقرار أي من الطرفين للطرف الآخر بصحة ادعاءاته أو استحقاقه لما يطالب به، وأن مثل هذه التسويات يجب أن تراعي إغلاق الطريق على أي من الطرفين - وخاصة هيئة الزكاة - في العودة لفتح ملف النزاع مجدداً بعد سنوات، لأي مبررات، وليس كما في حالات الربط العادية التي يقرر النظام حق الهيئة في مراجعتها بعد سنوات للأسباب المذكورة في النظام.