كل شيء يمكن أدلجته إلا الفن، تستطيع فعل ذلك بالتأكيد، لكنه لا يكون فناً بعدها، يصبح أي شيء.. أي شيء غير الفن.

شخصياً، أرفض استخدامه للاصطفاف، أو التحزب، لأي تيار أو في أي اتجاه، ومتى ما تم تطويعه كسلاح لضرب الآخر تغيرت ملامحه، الفن المؤدلج المثقل بالأجندة لا يمكن أن يكون صادقاً، لأنه لا يعبر إلى دواخل الناس، ولا يخاطب ذوائقهم، يركز على الأفكار لا المشاعر.

لا تحليق يتجاوز النقاش حول مسلسل «العاصوف» هذه الأيام، والذي كان أرضية خصبة لتراشق التهم وتوزيع القناعات، وقيل حوله الكثير، منه ما هو مهم، وأكثره غير ذلك. حديثي عنه اليوم فني بحت، لا تعنيني الأفكار عنه وحوله، ولا التيارات، ولا المغازي، أتحدث عنه كما لو كان عملاً مكسيكياً.

لا أزعم أني ناقد متخصص، لكن هذا رأيي الشخصي المتواضع، بعد عشر حلقات من العمل، تابعته تماماً.

من الضروري التأكيد على أن العمل عبارة عن لوحات من حقبة زمنية، ومهم أيضاً أن أقول لمن لديهم لبس بأنه ليس عملاً وثائقياً، يوجب الحديث عن الحقائق بمباشرة، وإنما هو رصد مرحلي، يرتكز على الوقوف على الملامح، لا النقل الدقيق.

لكن ما هو مزعج بالنسبة لي، وقد يكون مراداً عند آخرين، هو الرتم البطيء للعمل، والفراغات الكبيرة المعبأة بمشاهد وتفاصيل لا أهمية لها، لا تقوم بأي شيء سوى المرور بالوقت، والاستعانة بها للانتقال من بداية الحلقة لمنتصفها أو آخرها.

انتهى الثلث الأول من المسلسل ولا ولوج للقصة بشكلها العميق، يصاحبه عجز واضح في حبكتها الدرامية، وسير تسلسلها وتطور الأحداث، للدرجة التي تمكنك من إعادة ترتيب الحلقات، دون أن يؤثر ذلك في سير العمل أو فهم المتابع!

المشكلة الرئيسة، والتي أهتم بها غالباً، تتمثل في الحوار الضعيف، الضعيف جداً، كما أراه، لا يمكن لأي متابع أن يتذكر حواراً مما دار بين الممثلين، أو يخرج باقتباس منه، لأنه يعتمد بالدرجة الأولى على الارتجال، هكذا يبدو لي، والحديث العام التقليدي.

رجل دين، ومحامٍ، ومتخصص في السياسة، بالإضافة لدور كل واحد منهم في الأعمال التجارية والمسجد، ومع ذلك لم نجد حواراً يعكس المعرفة التي يجب أن تكون عليه هذه الشخصيات، كما لو كانت لم تتعلم أو تتغرب، فلم تمر (حسب رصدي) أي سياقات حوارية ذات تأثير، يمكن القول إنها مفصلة بعناية وإدراك.

غاب عن القائمين بالعمل أن الجيل الذي يتابعهم هو جيل بمعايير عالية، يهتم بالأعمال العالمية ويلاحقها، ولديه شروط قاسية، ومقارناته كبيرة.. وأن جل المعولين على العمل كانوا يحنون لزمن انتهى، يفتشون عن شيء يشبهم، ربما وجدوا بعضه، لكنه لم يجدوا أرواحهم.

أتمنى أن أكون مخطئاً في تشخيصي، وأن الحقيقة تكون عكس كل ما قلت، وأن تحمل الحلقات المتبقية ما يرد على افتراضاتي، أو ربما «توهماتي».

وأعود كل مرة، لأقول إن المشكلة الأساسية في العديد من القضايا والأحداث تكمن في السقف العالي، الذي تم رفعه من خلال الخطاب الاتصالي، وتمنية المتلقي بشيء استثنائي، وهو جزء من مشكلة «العاصوف»، ووعوده منذ سنوات.. وهي المشكلة ذاتها التي حدثت مع قناة SBC ووعود الحملة الكبيرة.

أخيراً، ولكل الذين يقولون إن العمل لا يمثلنا، أسألهم: من قال إنه يمثلنا؟! لا أحد يمثل أحداً، هذا الطبيعي، من تمثلنا هي الدولة، أو ما يمثلها في الحكومة، غير ذلك نتقاطع معه مثل الآخرين.. لا يجب أن نكون حساسين، أكثر مما يجب. والسلام..