غادر المستشرق الإنجليزي «بلغريف» حائل في سبتمبر 1862م بعد ما زوده الأمير عبيد بن رشيد بخطاب توصية إلى صديقه عبدالله بن فيصل (ابن الإمام فيصل بن تركي الذي كان ينوب والده) مدعياً أن إحساسه بالريبة دفعه إلى فض الرسالة وعثر بها على فقرة تتهمه ومرافقية بالشعوذة والدجل وهي الجريمة التي يمكن أن يكون عقابها الإعدام في الرياض كما يقول فعمد إلى إخفائها

يقول بلغريف وفق ما يذكر د. عبدالعزيز عبدالغني في كتابه روايات عن رحلات في شبه الجزيرة العربية: كان هناك عقبات إضافية عاقت تقدمه إلى هضبة طويق والولوج إلى دروب وادي حنيفة الشهير منها أن الحرب القائمة ضد عنيزة الجريحة لاتزال تدار بضراوة مع ما يصاحبها من أعمال سلب ونهب وتدمير إلا أنه استطاع الوصول إلى بريدة بصعوبة ودخل المدينة من خلال متاهات الأثل والتلال الرميلية مكث فيها بضعة أيام وقدم وصفاً مفصلاً للمدينة وأسواقها «ذكرناه سابقاً» أثناء ما توغل للمدينة من عمق سوق القصاصيب، مروراً بمحال الأقمشة والإسكافية والنحاسين ولفت نظره الازدحام الشديد لساحة السوق وضيق ممراتها التي تسوء الأمور فيه أكثر حينما يأتي بعير ضخم يسير متهادياً متمايلاً من جانب إلى آخر تحت حمله الذي يعلو سنامه وينخفض كأنه قارب أمسك بدفته ملاح أخرق، تبرز أعواد الحطب من جانبي البعير كتلتين شائكتين كل كتلة تفوق الأخرى حجماً فتزور عنها رؤوس المارة ويخلو الطريق أمامه قسراً. أما سائقه الذي يعتلي ذروة سنامه فلا يبدو مهتماً مادام بعيره يشق الطريق بلا عوائق. وهناك زار معسكر الحجاج الفرس والأسواق المصاحبة عند أطراف بريدة وتعرف على الشجرة اللغز ذات الأوراق الداكنة والعناقيد الصفراء التي كانت تنمو في براري القصيم والتي تثير عند متعاطيها نوبة من الضحك والطرب وعندما يفيق يكون قد نسي كل ما حدث. وعندما أراد مغادرة بريدة وجد صعوبة بالغة في الحصول على الدليل الكفء ومكث ستة أيام يبحث عن مثل هذا الدليل حتى عثر على أبي عيسى مع قافلة معسكر الفرس العائدة من الحج، وبدا له واضحاً أنه لا ينتمي إلى عرب شبه الجزيرة العربية، ويوحي مظهره وأسلوب تعامله بأنه قد نال نصيباً من العلم أوفر بكثير مما يتطلبه رجل في مثل مهنته «سائق إبل» وأعجب فعلاً بشخصيته ورقي تعامله حتى منحه حيزاً من كتابه كمثال نادر ومن قصته درساً في الكفاح والإصرار:

كان أبو عيسى وهو من أصول بدوية مواطناً حلبياً من بني خالد أهّله علمه وظروف نشأته أن يكون متفهماً مع الحضر ومع الرعاة والأوربيين وكل الطبقات وكان قد اتهم مع قبيلته بالعصيان المسلح ضد الحكومة العثمانية في العام 1852م صودرت على إثرها ممتلكاته وممتلكات أسرته حتى بات مفلساً فعمل على معالجة خسائره بالتجارة التي طورها إلى تجارة الخيول بين الخليج والهند عندما جمع ماله واتجه للأحساء التي اشترى منها عدداً من الخيول الرائجة في الأسواق الهندية وأبحر معها من البحرين إلى بومباي. لكن سرعان ماتبددت آماله الغضة في الثراء فقد عانت الصفقة من وباء ما إن بلغت مدينة أبولو حتى كان أكثرها قد نفق فألقى بجثثها في اليم لتلتقمها حيتان بحر الهند.

عاد أبوعيسى من رحلته خال الوفاض لا خيل ولا مال عدا القليل فاستحسن أن يعود إلى الأحساء بعدما انتابه الخجل وتملكه الوجل من أن يذهب إلى حلب مفلساً. وصادف أبا عيسى في الأحساء كرم أصيل ولقي دعماً من أصدقائه الذين أخذوا بيده ولم يكن هذا بالأمر المستغرب نظراً إلى الخصال الشخصية التي يتمتع بها ما عدا مقدرته على إدارة المال. ولم تمض على أبي عيسى بضعة أشهر إلا وقد جمع مبلغاً من المال مكنه من العمل في تجارة العباءات الحساوية ذات الصيت التي تمثل الصناعة الرئيسة في تلك المدينة وانبرى مرة أخرى ليجرب حظه مع هذا النوع من التجارة، ولم يمض وقت حتى اكتشف أنه على موعد أقسى مع سوء الحظ وخيبة الأمل فقد كان أحد أقاربه قد لحق به في الأحساء فأوكل إليه مهمة القيام بالسفر لبيع العباءات هناك وحين باع هذا الوكيل البضاعة بمبلغ معتبر بيت الخيانة وركب البحر إلى كراتشي ثم بومباي ونقل تجارته إلى هناك ولم يرجع أبداً. عاد معها أبو عيسى إلى الفقر والفاقة وسوء الحظ وظل على هذه الحال حتى جمع مبلغاً زهيداً استثمره في تجارة السيوف والسجاد الفارسي، وكان يسعى بهذه السلع للرياض أهدى بعضاً منها لمحبوب أحد وزراء الإمام فيصل وإلى الإمام فيصل نفسه، ويعمل حالياً بعد أن تحسنت أحواله بالإضافة إلى هذا النوع من التجارة كمرشد موثوق للحجاج.

عندما كان بلغريف يستعد لمغادرة بريدة وفد إليه أبوعيسى تحيطه هالة من النبل وسهولة التعامل ودماثة الأخلاق وشاركهم وجبة العشاء الأخيرة في بريدة يقول بلغريف واصفاً احتفالية مغادرة أرض القصيم التي عانى فيها العزلة ولم يتقبله المجتمع كمسيحي مجهول الهدف: اشترينا قطعة من اللحم الطيب من سوق القصابين ببريدة وهذا ما لم نفعله إلا نادراً وطهى بركات اللحم على الطريقة السورية ولم يكن يعوزنا التمر ولا الزبد فقد جهزناهما للتقديم بطبق واحد وازدانت مائدتنا بالخبز المخمر الذي تعمله النساء في البيوت ويعرضنه للبيع في السوق وهو من الخبز الجيد فنساء بريدة قد تعلمن فن التخمير وطريقته من الحجاج الفرس الذين يمكثون مدة طويلة بمعسكرات الذهاب والعودة.

صورة من بريدة بعدسة فيلبي
الاسواق قديما