اختلفت الروايات في تاريخ بناء هذا الحمام، فهناك من يرجع بناؤه إلى العهد المملوكي، وهناك من يرجعه إلى العهد العثماني وموقعه في ذروان بوابته شمالية، وتطل واجهته الجنوبية على شارع درب الجنائز المؤدي إلى بقيع الغرقد ذروا حيث تكثر في هذا الشارع المخابز والمطاعم والخرازين وباعة البرسيم والمقاهي، وحيث في الجنوب أحواش حارة النخاولة، وفي الشمال ذروان والاغواتو غرباً الشونه ومقعد بني حسين.

وللمكان أو موقعه خصوصية لا تخطئهما العين، فالحمام في هذه الحالة يخدم الشوارع القريبة كافة، ومع هؤلاء الذاهبين الخارجين من وإلى المسجد النبوي الشريف. في الفجر يبدأ عمل المواقد في هذا الحمام، حيث تتصاعد الأدخنة طوال اليوم، وهي أدخنة رقيقة وغير مؤذية، ولم يقل لنا أحد شيئاً عن نوعية الوقود المستخدم في هذا الحمام، فمن يزوره لن يشتكي من روائح الفحم أو الكيروسين، ولكنه سيجد في الردهات الدائرية روائح الصابون النابلسي، وربما أصوات قرقرة النراجيل، وسوف يشاهد هناك «القباقيب» و»البشاكير» والعديد من رواد الحكي وباللغات كافة، ويتكون مبنى الحمام المجدد عدة مرات، قبل هدمه لتوسعة المسجد النبوي، مع المباني والمحلات والأحياء المجاورة، وأبرزها مكتبة عارف حكمت، من دور واحد، فيه قبة صغيرة في الجهة الجنوبية تنقل الضوء إلى الداخل أسفل هذه القبة مكان انبعاث البخار الذي تحيط به الحمامات، ويحاذي الجدار الجنوبي من الداخل مغطس للاستحمام بعد إكمال حمام البخار، وفي الحمام صالة كبيرة إلى الشمال من الحمامات مخصصة لتغيير الملابس، وسطها نافورة وحوض ماء، ويعلو هذه الصالة قبة كبيرة تحيط بقاعدتها نوافذ صغيرة ذات عقود جمالية تنقل النور إلى الداخل، كما يوجد بين صالة تغيير الملابس وصالة البخار مرحاضان يستخدمهما رواد الحمام (المدن السعودية: انتشارها وتركيبها الداخلي/ د. محمد شوقي إبراهيم مكي ص 397). ويذكر الأفندي علي بن موسى رئيس القلم العربي في ديوان محافظة المدينة في العهد العثماني في كتابه رسائل في تاريخ المدينة ص 51: هذا الحمام تعود ملكيته للمرحوم نور الشهيد، وموقعه كان في السور الجواني قبلي الحرم الشريف في حارة ذروان بملاصقة جدار السور، ويوجد حمام آخر في منطقة المناخة، ملك لأحمد نظيف أفندي الترجمان، مدير الحرم النبوي - آنذاك - وهو تجاه الخاسكية المعمولة «حسنة خانة» للعساكر النظامية، وكما ذكر علي بن موسى، فإن حماية طيبة كان يقع في داخل السور، ومن في ذلك السور هم من عليه القوم أو الطبقة المتعلمة، وغالبيتها من أعراق ليست مدينية خالصة، أعراق جلب بعضها من مدن ودول التابعية العثمانية، الذين اعتادوا على ترف العيش والمنازل الوارفة الزرع التي تشبه الفيلات بزرعها ونوافيرها وممراتها وعمارتها الحجرية المصقولة وأسقفها الجاوية، وفي تلك المنازل يفوح البخور والعطر، وبعضها تنعم بإضاءة الكهرباء (كانت موجودة في المدينة في أواخر العصر العثماني قبل محنة سفر برلك)، أما بعد ذلك فقد هدمت الأسوار، وانصرف كبار القوم عن حمامات البخار، ليصبح حمام طيبة للجميع غنيهم وفقيرهم، لكن غالب رواده كانوا في آخر أيامه من عمال الترحيل (الحمالين، العربجية، شافطي البيارات، العمال، المشكلجية) حيث يحط الواحد منهم جسده في ركن من أركان الحمام ولا يخرج من هناك إلا وجهه منور إن كان أبيض اللون وأحمر إن كان خلاسياً.. الآن ينعم أهل السور بحمامات السونا أو الحمام المغربي، وهو اسم عصري لحمام طيبة.