في المقال السابق، تحدثنا عن ثقافة الصوم عند المسلمين والنصارى والهنود، واليوم نستكمل الحديث عن الصيام في ثقافات العالم المتعددة عبر التاريخ وحتى يومنا هذا.

ورد الصيام لدى اليهود في التوراة بأنه فريضة ملزمة، وقد كان موسى - عليه السلام - يصوم 40 يوماً في العام، وعندهم الصوم عن الكلام وعن العمل يوم السبت، وكانوا يصومون عن الطعام إفرادياً عند الحزن، أو التكفير عن خطيئة أو ذنب اقترف، وجماعياً يصومون للاضطهاد والتشريد الذي حل بهم، أو عند القحط، ورداءة المحصول، والهزائم في الحروب.

اليونان والرومان كانوا يصومون قبل الحرب ليعتادوا الصبر والتحمل، راجين من ذلك النصر، أما رجال الدين عندهم فقد كانوا يمتنعون عن تناول اللحوم والأسماك والطيور طوال حياتهم، وكان سقراط وأفلاطون وفيثاغورس يعمدون إلى الصيام للوصول إلى ذروة الإتقان الذهني والتخلص من طغيان الجسد.

وفي الحضارة المصرية القديمة، كان المصريون الفراعنة يصومون أيام الأعياد وفاء لنهر النيل، الذي اعتبروه مصدر الرزق والخير لهم، كما صاموا أيام الحصاد وجني الثمار، أما رجال المعبد فكانوا يصومون ستة أسابيع في العام، يبتدئون صومهم من طلوع الشمس إلى غروبها، ويمتنعون خلاله عن الطعام ومباشرة النساء، ويقضون لياليهم في النسك والتطهر والعبادة.

أما العرب قبل الإسلام فقد عرفوا الصوم ومارسوه تديناً، متأثرين بأهل الكتاب، ولا سيما اليهود، فكانوا يصومون يوم العاشر من المحرم، كذلك كانوا يصومون عن مباشرة النساء عند الحروب، كي تستعد نفوسهم لملاقاة العدو بعيداً عن اللذة وشهواتها. أما أتباع كونفوشيوس في الصين واليابان، فيمتنعون عن تناول الطعام والشراب قبل مواعيد الصلاة، بينما يكتفي الكهنة والرهبان البوذيون بتناول وجبة واحدة في عصر كل يوم، وكذلك في أول يوم لظهور الهلال، ويوم تكامل القمر؛ ولهذا فإن البوذيين يصومون أربعة أيام كل شهر يقومون خلالها بالاعتراف بخطاياهم وطلب المغفرة. وعرف المنغوليون محاسن الصوم، فكانوا يتركون الطعام كل عاشر يوم، وكان السوريون القدماء يتركون الطعام كل خامس يوم. وعند المجوس وعبدة النار بالغوا في ممارسة الصوم بإذلال النفس وإتعاب الجسد لدرجة أن بعض فرقهم سميت (الصيامية)؛ حيث كانوا متجردين كلياً للعبادة والنسك.

وأخيراً، فإنّ الزرادشتية هي الديانة الوحيدة التي حرّمت الصوم من بين كل الديانات؛ لاعتقادها أن هذا الشكل من الزهد والتقشف لن يساعد أو يقوي المؤمنين في كفاحهم ضد الشر.