هناك سر قد لا يعلمه كثيرون!، وهو أن شهر رمضان المقبل سيكون بعد سنة من الآن، وتحديداً في الشهر التاسع من السنة الهجرية المقبلة. معلومة جديدة قد تكون مفاجئة للبعض، وأنا إذ أكشفها الآن وأمام الملأ فإني أهدف إلى تنبيه القنوات التلفزيونية للاستعداد مبكراً للموسم الرمضاني القادم.

في كل سنة يتكرر هذا المشهد.. يقترب رمضان وتبدأ القنوات بالركض لملاحقة الزمن من أجل تنفيذ برامجها ومسلسلاتها الخاصة بالشهر الكريم، وفي الغالب تبدأ حركة الإنتاج قبل رمضان بشهرين أو أقل، وفي وقت ضيق كهذا لا يمكن توقع الكثير، لا على مستوى الأفكار ولا على مستوى المنتج النهائي.

آلية الإنتاج، أو نظام الإنتاج الذي يحكم الدراما السعودية الآن، ومنذ عشرات السنين، هو المسؤول الأول عن تردي المسلسلات المحلية، ولو جلبت مخرجاً عالمياً كبيراً مثل سبيلبرغ أو تارنتينو ليعمل في ظل هذه الظروف فإنه لن يقدم لك عملاً ذا قيمة، ولو ذهبت إلى مُنتِج هوليودي وطلبت منه تنفيذ 30 فيلماً قصيراً في غضون شهرين، فإنه في الغالب سيتهمك بالجنون لاستحالة تنفيذ هذه الأفلام بشكل مقبول.

المسلسلات السعودية المنفصلة تتكون من 30 فيلماً قصيراً، ويتم تصويرها خلال ستين يوماً فقط، أي يومي تصوير لكل فيلم! وسيناريوهاتها تكتب مرة واحدة في فترة لا تتجاوز الشهر، وهذه الفترة -بكل المقاييس- هي فترة تعجيزية لا يمكن أن يقبلها الفنان الذي يحترم نفسه وتاريخه. ومع ذلك، نرى قنواتنا تسير على هذا النظام الإنتاجي كل سنة، ونرى المنتجين يَقبلون ويرضخون، والمحصلة النهائية هي ذات النتيجة التي نحصدها سنوياً؛ أعمال سيئة بمستوى بدائي رديء.

صناعة الدراما ليست لغزاً، وخطواتها الإنتاجية يعرفها أصغر عضو في الوسط الفني، وهي لا تحتاج سوى للوقت والمال، لدينا المال ولدينا مواهب في كافة التخصصات الفنية، لا بل حتى النجوم الكبار يمتلكون -على المستوى الشخصي- وعياً يؤهلهم لتقديم أفضل مما يقدمونه الآن، لكن الوقت يخذلهم دائماً.

إذا أردنا أن نحصل على نتائج أفضل من النتائج التي نراها في كل موسم رمضاني، فلابد من تغيير الآلية الإنتاجية الحالية تغييراً جذرياً. لابد أن تمنح القنوات وقتاً كافياً للمنتج والمخرج والفنان لتجويد أعمالهم، ولن يحصل ذلك إذا استمرت هذه القنوات في التعامل مع شهر رمضان كموسم مفاجئ لا تدري متى يأتي إلا قبل مجيئه بشهرين.

ونعيد ما بدأنا به المقال؛ إن رمضان المقبل سيأتي بعد سنة يا قنواتنا العزيزة، فاستعدوا له جيداً، وعمّدوا المنتجين من الآن، فالمال الذي ستدفعونه الآن هو نفسه الذي ستدفعونه قبل رمضان بشهرين، لكن الوقت -والوقت فقط- هو الذي سيصنع الفرق، فما يُصنع على "نار هادئة" سيكون أفضل بالتأكيد من "طبخة" سريعة تصنع بارتباك ودون تركيز.