نشطت الكثير من الأقلام الصحفية، وليس النقدية، سواء بوجود أو بعد وفاة أم كلثوم، لتنصيب خلائف لها، واعتبارها النموذج. عدا أن كل المحاولات في تكريسها بوصفها أيديولوجيا ناصروية، تهشيم لبعدها الثقافي، كذلك كانت محاولة الرئيس نفسه عندما طالب باستيلاد نموذج فيروز في مصر على أن الحناجر الشامية إذا تمصرت تكلثمت مجازاً، وهذا ما حدث لكثيرات وإن لم يكن، حيث رؤين هكذا نور الهدى وسعاد محمد ونجاح سلام وأخريات.

بينما لم تكن تمثل إلا مساراً من مسارات الغناء العربي، الذي يحمل من بين ما يحمل، من مقومات وعناصر مدرسة التجويد القرآني والموشح الحلبي - الشامي، والغناء الشعبي - تتضمن الصعيدي والسواحلي، وهي مكرسة منذ مطربات الحرملك مثل ألمظ وتوحيدة وسكينة حسن حتى أولاهن وقفت على المسرح العربي، منيرة المهدية.

وقد تناسلت عناصر الأداء، مع طريقتي أداء خاصة لكل من حنجرتي فتحية أحمد وماري جبران، فقد اتضحت أنهما جزء من مقومات تثقيف الحناجر اللاحقة مثل أسمهان وليلى مراد ونور الهدى مروراً بفيروز ووردة وفايزة أحمد وصولاً إلى سميرة سعيد وأنغام وشيرين.

وتمايزت الحناجر النسائية الأخرى، سواء في بلدانها، في المنتصف الأول من القرن العشرين، مثلاً سليمة مراد وعفيفة إسكندر في العراق، وصليحة في تونس، وفضيلة في الجزائر..

إذا كانت المعركة الكلامية، في مقام الأهواء الشخصانية والأيديولوجية، بين أم كلثوم الناصروية من جهة ومن جهة أخرى أسمهان الأقلوية، فتتضخم تعبيراً عن حالة النسيان، لكل ما يعبر عن مصر في حالة التعدد الثقافي حيث تكاثرت، العناصر العرقية، والطائفية، ثم نفرت إلى خارجها من بعد العام 1956 صارت نماذج ثقافية أوروبية بامتياز، وهي على التوالي ديميس روسوس وداليدا وجورج موسكاتي، وألبير قصيري وإدمون جابيس وجويس منصور.

لم تخل استوديوهات القاهرة، سواء في صناعة الأفلام أو الأغنية، من الوجود العربي (السوري واللبناني والفلسطيني والتونسي واليمني والجزائري) وإنما تحت المظلة الثقافية الناصروية، فقد حضرت في عالم السينما والأغنية، وإن تكن بصورة هامشية أو مرحلية في تجربتها، مثل حليم الرومي ومحمد سلمان ومحمد البكار ونازك وفايزة أحمد وأحمد قاسم وليلى الجزائرية وعلية التونسية وسواهم، غير أن الذاكرة الجماعية ظلت تلوك الكثير من المصطلحات الصوتية، مثل الأصوات الكلثومية، والقدامة والحداثة، والمحافظة والتجديد، والأغنية الشبابية، والزمن الجميل.

وتلك المصطلحات من الهشاشة، المعرفية والإجرائية، بحيث إنها بسهولة تتساقط من الذاكرة الثقافية، ومن الإطار النقدي، ويحدث الوقوع فيها عند كثير من الدوائر الرسمية أو الأكاديمية.

لماذا؟.