كم خبر مفبرك سمعته، وكم خبر كاذب شاهدته، وكم خبر مفترى قرأته، وكم مصدر محتال أخذت منه، وكم.. وكم.. ستجد أنك خلال سنة رصدت وتلقيت الكثير ومع ذلك كررت الخطأ نفسه هنا تكمن التنازلية في العقول.

لذا فالحذر.. والتفكير بعمق.. والتحليل هي أدوات حقيقية لصد كثير من المضامين الموجهة للنيل منّا لدى بعض وسائل الإعلام التقليدية وحتى الجديدة وبعدها المتجددة والتي غدت تفترش كل المسامع، والآذان، وتغلف العقول بحكايات متنوعة.. تمكث بين مد الغرابة، وجزْر الأكاذيب.. فيتلقى أحدنا ما يتلقى بتنازل عقله فيشوب ذهنه كل شائبة.. كثيرٌ منا لا يعرف كيف يمكن أن يسمع ما يطرح، ولا كيف يتلقى ما يقال في مثل تلك الوسائل.. فتختل داخله كثير من المفاهيم، وترتبك الرؤى حوله فيمسي ويصبح منبهراً بشيء لا يعرفه، ومتعلقاً بأمر يجهله.. وبعدها يبدأ الخروج من وعيه.

حينها تتأرجح العقول بين الشبهات، والمتشابهات، والتهكمات والتشكيكات في بعض الحقائق والثوابت، ويطغى الجدل الباطني في حوزة الأنا المتضخمة عند شخص ما.. فيصبح عقله تنازلياً ليكون الشخص نفسه هو من يستهدف ذاته فيضحي بعقله ورشده بعد أن يفقد صوابه.. لذلك تجد البعض يتنازل عن عقله ليخدم رغبة داخله، ويوجه نفسه نحو التناقض والتخاصم شعر بذلك أو لم يشعر.. فالتنطع هو رداء الجهل، والتفيقه هو إزار المختل، ورفع النفس عداء لها.. وتبقى عقول البعض بين مستقبل يفهم، وفاهم يستقبل، وبين متلقٍّ يتوهم، وواهم يتلقى.

لوسائل الإعلام جهات خمس، وأبعاد ثلاثة.. يمتد فيها الأقصى إلى مسافات بعيدة تصعب على المتلقي البسيط فهمها بسبب جهله بكيفية سير الإعلام وحقيقته.. وهناك الأدنى الذي تختلف الصورة فيما كانت عليه في أقصى الحدث.. وفي وسط تلك الجهات المحفوفة بتلك الأبعاد المتعددة يضع أحدنا نفسه فيسمع ويتلقى الكثير من المعلومات والمشاهد التي تقحمه داخلها قبل أن يستوعب ماهيتها، وقيمتها، والتفريق بين صدقها وكذبها..

التلقي الواقعي والأمثل هو أن يذهب الفرد إلى أقصى جهة في الإعلام ثم يذهب إلى أدنى جهة ويتقاطع معها في المنتصف.. فيكون أخذ من جهة وجهة أخرى فقد تتوازن حينها الرؤيا، ويكون الحكم على الأقل مقبولاً إلى حد ما.. والقصد أن يسمع لأطروحات كثيرة لكي يقرر ويحكم.

المشهد الإعلامي أصبح وأمسى مغموراً بمفاتن الغرابات، وغرابة الفتن، وبكثافة التشويه، وبتعدد المنافذ وشدة الرياح فمن يريد اليوم الاتزان والراحة عليه أن يراهن على توعية نفسه، وتعزيز ضميره اليقظ، ويراعي تبصير عقله.. وعليه فيما يتلقاه ألاّ يكون مندفعاً أو متساهلاً أو متنازلاً عن قيم دينه ومجتمعه.

ويبقى القول: تأثير وسائل الإعلام هو تأثير صارخ يلهب بعض القلوب فتغريها بالخروج من ذاته أو عقله.. لذا تجد أن دروب الشهرة بأي طريقة، والتميز بأي أسلوب، واللغط بأي مقال.. دروب صارت أكثر وضوحاً، ومتابعة، وملاحقة لدى المفتونين بها.