يحفظ التاريخ لعبدالناصر قراره بمعاملة الفلسطينيين كالمصريين ودعم اندماجهم في المجتمع المصري لدرجة أن الجامعات المصرية في ذلك الوقت كانت تستثني المواطن الفلسطيني من شروط الانضمام للكليات العلمية، فانضمت أعداد كبيرة منهم لتخصصات علمية دقيقة رغم معدلاتهم المتدنية.. فكان هناك بعض «البلداء» الذين اختطفهم تنظيم (الإخوان المسلمين) وأعادهم إلى غزة ملغمين بفكر خوارج تلك الحقبة.

تلك المرحلة كانت مرحلة تأسيس للتشرذم وشق الصف الفلسطيني حيث جرى على يد كوادر (حماس) إجهاض مشروع وحدة السلاح والمقاومة، وتوترت علاقتهم مع الرئيس الراحل عرفات حتى ضعفت سلطته واستحالت القضية برمتها إلى ملف قابل للتأجير في بازار المنافسات الإقليمية، وأصبح للقضية حكومتان في رام الله وفي غزة، ثم مواجهات مسلحة ثم ولاءات عابرة للقضية.. وانتهت بواقعها اليوم.

الولايات المتحدة الأميركية وبعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية انتهجت للدفاع عن مصالحها العالمية انشاء مؤسسات دولية اقتصادية وأمنية، ومعايير سياسية خاصة، حتى انتهت إلى ما يسمى بالنظام الدولي.. فصارت رغماً عن الجميع شرطي العالم الذي من الغباء إضاعة الوقت والمستقبل في مواجهته، والشواهد بالمقارنة بين أوضاع حلفاء أميركا وأعدائها اليوم.. والمقارنة طبعاً اقتصادياً وأمنياً بالدرجة الأولى بعيداً عن الشعارات الفارغة التي تنتمي لعصر ما قبل النظام الدولي.

والذكاء هو بلا شك في استيعاب الواقع والتحرك وفق قوانينه وأدواته.. بعيداً عن منازلة الطواحين والعبث بمصائر الشعوب وأرزاقها..

المملكة لديها سياستها الخاصة في دعم القضية بعيداً عن المزايدات، تجلى ذلك في العفو عن الكثير من التجاوزات والترفع عنها، بل وتحمل تبعات بعض المغامرات، وكان ذلك جلياً في القمة العربية الأخيرة عندما أكد خادم الحرمين الشريفين على مركزية القضية الفلسطينية؛ والتبرع لأوقاف القدس الشريف وللاجئين الفلسطينيين، عبر وزارة الأوقاف الأردنية بصفتها الوصية على إدارة الأوقاف هناك، ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، وهي منظمة دولية كانت ولا تزال الخيار الأفضل لدعم الشعب الفلسطيني بعيداً عن المعارك السياسية التي تأتي أحياناً على حساب خبز المواطن الفلسطيني وأمنه.

كما أنه في موازات ذلك ليس من السهل تجاهل المبادرة السعودية -العربية لاحقاً- بوصفها الحل العربي الوحيد المطروح على طاولة المفاوضات مهما تعددت الطرق والخرائط..

هذا كله يجعل من «الخذلان» الذي نواجهه في بعض الأحيان بلا أثر وبلا تأثير.. لأننا ببساطة لدينا رؤية تجاه فلسطين تتجاوز (حماس) وكل المرتزقة حول القضية.. ونؤمن أن أفضل ما نقدمه لفلسطين هو تجاوز المرتزقة الذين يقتاتون عليها.