"البهاء" جمال، و"التباهي" و"المباهاة" مرض، هذا القول يختصر ما يظن المرء أنه من صميم الذات وليس منة وكرماً من الخالق عز وجل، ويقاس على الظاهر من الذات ما هو مكتسب من دروب الحياة، و"البطر" سلوك فردي يتطور تدريجياً إلى أن يصبح مرضاً معدياً فينقاد وراءه البعض إلى أن يعم المرض الجميع، والمشكلة أن المرض الاجتماعي تتم مقاومته بالنكران والتغاضي إلى أن يصبح فتاكاً فيقضي على الجميع، فشكراً لمجلس الشورى الذي سيناقش ظاهرة "البطر" و"الكفر بالنعمة" والتبذير ورمي النعمة في الحاويات.

وقيمة المشروع في العقوبات الرادعة التي ستوقف مظاهر المباهاة الزائفة، المشكلة أن كلمة "بطران" قد تباعدت قليلاً عن سلبية البطر، وأصبحت مقبولة إلى حد ما في بعض لهجاتنا المحلية، وهي بالتالي تحتاج إلى تصحيح، فالبطران كافر بنعمة متباه بما لديه على من ليس لديه أو حرم منها، فالله عز وجل يقول في سورة الأنبياء "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ". ويقول عز من قائل في سورة القصص: "وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ". فهذا ملخص القول الذي نعيش فيه، فقد باءت مساعي الوعظ بالفشل وجهود الجمعيات الخيرية بالكلل ونشاط المتطوعين بالملل وبات الكي خير علاج.

نعم لقد سئمنا من تكرار مناظر بطر تؤلم الأغلبية في سبيل زهو وسذاجة من أقلية، فهذا البلد قدوة، ويكرر خادم الحرمين الشريفين مقولة شرف خدمة الحرمين لقباً لملوكه. فأرجو ألا يذوب المشروع ويميع في إدراج لجان المجلس أو جهات التنفيذ فقد بلغ السيل الزبى. ولنبدأ بأماكن المباهاة من صالات أفراح وفنادق ومطاعم بحيث تصبح عمليات حفظ النعمة ثقافة وليست خوفاً من العقوبات، ففي بعض الدول الأخرى هناك نظام يجبر المحلات الكبرى بسحب المنتجات قبل أيام من انتهاء الصلاحية للبيع وتقديمها للجمعيات الخيرية التي توزعها على المحتاجين فيما تبقى من تاريخ الاستهلاك، وهذا التاريخ يمتد قليلاً لما هو أبعد من تاريخ صلاحية البيع.

متفائل جداً باختفاء ظواهر البطر التي آذتنا العام الماضي، وسنسعد بالعقوبات تطبق على المخالفين، ونظل ندعو الله ألا يؤاخذنا بما يفعل السفهاء منا، ولكن المهم أن نحقق مقولة العرب "سفيه ولم يجد مسافهاً".. عندها فقط ستختفي سفاهة الحمقى.