هناك العديد من المحددات لهوية الإنسان ويقف على رأسها اللغة، فمع أن الإنسان قد يتعلم في حياته لغة أخرى، أو أكثر من لغة، ويتحدث بها إلا أن لغته الأم تعتبر محدداً مهماً في تكوين هويته سواء بالنسبة للإنسان نفسه أو بالنسبة للآخرين الذين ينظرون إلى هويته من الخارج. والحقيقة فإن التاريخ الحديث يحتفظ لنا بمثال واضح جداً على أهمية اللغة في خلق هوية اجتماعية واضحة لشعب كان يرتبط ببعضه برابط ديني فقط وهو الشعب اليهودي، فخلال العصور الوسطى كانت اللغة العبرية لغة دينية فقط تستخدم في قراءة التوراة وممارسة الطقوس الدينية وقد ظلت الحال كما هي حتى قام اليعازر بن يهودا "1858-1922م" بإعادة إحياء استخدام اللغة العبرية في الحياة اليهودية اليومية.

كان اليعازر بن يهودا ابناً لأسرة يهودية حسيدية وقد تلقى تعليمه منذ صغره في المدارس اليهودية الدينية "يشيفا"، وعلى الرغم من سفره إلى باريس ودراسته الطب هناك إلا أنه ظل مسكوناً به إحياء اللغة العبرية، لذلك نجده يقوم بنشر مقالة في العام 1879م يذكر فيها أن الشعب اليهودي لا يمكن ربطه بهوية جامعة دون وجود لغة مشتركة ومن هنا لا بد من تبني اللغة العبرية في جميع شؤون الحياة اليهودية، وبعد ذلك بسنتين هاجر بن يهودا إلى القدس والتحق بالعمل في هيئة تحرير جريدة "حاڤاتسيلت" التي كانت من أول الجرائد الصادرة بالعبرية، ثم قام بعد ذلك في العام 1884م بتأسيس جريدة أخرى باللغة العبرية اسمها "هاتسڤي"، وفي العام 1890م أسس بن يهودا "لجنة اللغة العبرية" حيث انضم إليها كبار الأدباء واللغويين اليهود للعمل على الترويج للتعليم بالعبرية في المدارس اليهودية، ولعل أهم مشروعات بن يهودا في هذا الصدد كان قاموس اللغة العبرية والذي يشمل على جميع كلمات اللغة عبر التاريخ وعلى التجديدات التي اقترحها بن يهودا حيث أصدر من هذا القاموس خمسة مجلدات قبل وفاته.

ولقد وجد بن يهودا نفسه في مأزق الانفصال الكبير بين اللغة العبرية آنذاك وبين الحياة العصرية حيث كانت هذه اللغة تفتقر إلى الكثير من الأسماء والمصطلحات المعاصرة، ولأن "الحاجة هي أم الاختراع" نجد بن يهودا ينطلق في مهمة نحت العديد من المسميات والمصطلحات لسد هذا النقص. وهنا كان اللجوء إلى القاموس العربي عاملاً مهماً في نجاح مهمته، ومن بين الكلمات التي أدخلها هنا كلمة "أديب" العربية لتحمل نفس النطق والمعنى، وكلمة "متريه"، وهي المظلة المستخدمة للوقاية من المطر وهي من كلمة "مطر"... إلخ. ويبقى السؤال ماذا عملنا للغتنا العربية للحفاظ عليها كلغة جامعة للكثير من الشعوب العربية لا سيما في ظل الدعوات إلى استخدام اللهجات بديلاً لها أو تبني اللغة الإنجليزية؟.