خلاصة هذه القصة تتمحور في قدرة الفرد على صناعة مستقبله متفرداً دون الأسرة فللإنسان قدرات عقلية عجيبة قل ما يوظفها لصالحه، وطموحها قادها إلى التجول

في ثلاث قارات، كانت قد حُفّت بالمخاطر، عاشت في ظروف حرب، وقتلت بيدها مئات من الجنود، ولم يكن صوب عينيها سوى الدخول للتاريخ من أوسع أبوابه كبطلة..

في هذا العالم كُل شيء متوقّع وممكن حدوثه مهما بلغ نسبة استحالته، كما أن هناك ظروفاً وحظوظاً سيئة أعمق أثراً على الإنسان من الحروب ذاتها، وغالباً ما يعجز عن الإفصاح عنها؛ لأنه يرى أن تحقيق زوالها ليس بالإفصاح عنها؛ بل بالصمت الذي يُصاحبه عملاً وجهداً متواصلاً.

وعلى هذهِ الأرض قصص بعدد ما قطن بها من الجن والإنس، عُدت أكثرها هامشاً إلا نسبة ضئيلة كُتب لها الخلود، من بينها «الشابة نانسي ويك» التي شهد لها من عاصرها أنها شابه تتحلى بالشجاعة والدهاء بشكل غير عادي وأنقذت مآثرها الجريئة حياة المئات من أفراد قوات الحلفاء إبان الحرب العالمية الثانية 1939-1945م وساعدت في إنهاء الاحتلال النازي لفرنسا.

ولدت ويك في نيوزيلندا العام 1912م، وفي العام 1914م انتقلت عائلتها للعيش في أستراليا واستقرت في سيدني وبعد فتره قصيرة، عاشت ويك طفولتها دون والدها «تشارلز» وعندما بلغت من العمر ستة عشر عاماً هربت ويك من المنزل ومارست العمل؛ نظراً لظروف أسرتها المادية، كما أنها وُلدت وهي تهوى المغامرة والأعمال التي تُحيطها المخاطر، وشعرت أن أستراليا بمعزل عن العالم، وأنها لن تجد بها ما تطمح إليه فسافرت إلى نيويورك، ثم لندن حيث امتهنت مهنة الصحافة، وأصبحت صحافية رسمياً في العام 1930م، ثم تجولت في عدة دول أوروبية وعملت في باريس كمراسلة صحفية، وعاصرت صعود هتلر ونشوء الحركة النازية وكرهت هذه الحركة وما تهدف إليه.

وفي ظروف التوتر السياسي في أوروبا كانت ويك تطمح أن تُعيد صياغة تاريخ جديد خاصة وأنها كانت تعيش في مرسيليا في «فرنسا» عندما غزت ألمانيا فرنسا بعد سقطوها في العام 1940م ونتيجة لذلك انضمت ويك إلى المقاومة الفرنسية وأصبحت رسولاً بين المعسكرات الفرنسية وقد استعان بها عدد من الجنرالات للحصول على بعض المعلومات عن الخصم «ألمانيا» عن طريق شبكة علاقاتها الخاصة، وحينما كانت ويك مراسلاً بين المعسكرات الفرنسية كانت شديدة المراوغة حيث يصعب على الخصم أن يُلقي القبض عليها، وقد لقبّتها الشرطة النازية السرية «الجستابو» بالفأرة البيضاء! وبعدها انضمت ويك إلى صفوف أحد الجنرالات كمقاتلة بجانب مهنتها الحقيقية «كجاسوسة شقيّة» التي ألبستها رداء الصحافة؛ وقد أُعجب الجنرال بعقليتها نظراً لذكائها وسرعة دهائها وفطنتها وحذرها الشديد، وإنجازها للمهام بكل شجاعة وبسرعة وجيزة خلال الحرب.

وعندما احتلت قوات الجيش الألماني أجزاء من فرنسا، حصلت الشرطة النازية على العديد من الوثائق الخاصة للنظام الفرنسي حينها، أصبحت ويك مُهددة بالقتل، وأعلنت الحكومة الألمانية حينها عن مبلغ 5 ملايين فرنك مقابل القبض على ويك أو قتلها، أو الحصول على أي معلومة عن مقرها.

والجدير بالذكر أن ويك كانت تتجول حول النقاط الأمنية الألمانية على الأراضي الفرنسية ولم يشعر أحد منهم بوجودها، حيث كانت تفرّ بطريقة تكتيكية وذكية من النقاط، وعلى أية حال، استعانت بها بريطانيا حيث طلبتها من القوات الفرنسية وبعد وصولها إلى بريطانيا انضمت ويك للسلطة التنفيذية للعمليات الخاصة، وعُيّنت في منصب وكيل تنفيذي للعمليات الخاصة البريطانية خلال الجزء الأخير من الحرب العالمية الثانية. وهي عبارة عن خدمة عسكرية بريطانية سرية خلال الحرب، أنشئت في 1940م وكانت مهمتها تنفيذ عمليات سرية والتنسيق مع حركات المقاومة في أوروبا وشرق آسيا في وقت لاحق، وفي شهر إحدى ليالي أبريل العام 1944م تم إنزال ويك بالمظلة (البارشوت) في أوفيرني وهي «مقاطعة في جنوب وسط فرنسا» لتمارس عملها، حيث أصبحت حلقة الوصل بين لندن وجماعات التمرد المحلية في فرنسا برئاسة الجنرال هنري.

وشملت واجباتها تخصيص الأسلحة والمعدات التي يتم إنزالها بالمظلات سِراً وفي التدبير المالي للمعسكرات، وعلى الرغم من أنها لم يُطلب منها تجنيد الفرنسيين في المقاومة، إلا أنها جنّدت الكثير من الأشخاص لصالح المقاومة الفرنسية، وقد حوّلت المعسكرات إلى قوة هائلة، ومن ثم بدأ الجنرال لا يتوانى عن الأخذ برأيها في أي خطوة يتخذها، فأصبحت هي من يُحرّك المقاومة بما فيها من أفراد وضُبّاط، ومن ثم قادت سلسلة من الهجمات على المنشآت الألمانية وعلى المقر الرئيسي للجستابو ذاته، وكانت حصيلة هذه الهجمات هي قتل ما يقارب 1400 جندي في القوات النازية، بينما لم تخسر من معسكراتها سوى 100 جندي فقط من أصل 7000 جندي من فريقها!

وعندما انتهت الحرب، عملت ويك كضابط استخبارات، وقلّدتها بريطانيا رتبة نقيب والعديد من الأوسمة، وتم تعيينها في قسم مساعد رئيس أركان القوات الجوية في وزارة الطيران في وايت هول. وفي العام 1957م التقى بها أحد ضباط سلاح الجو الملكي البريطاني يُدعى «جون» وأنبهر من شخصيتها وجديتها بالعمل، وأبى أن يتجاوزها دون أن يعرض الزواج عليها، وتم الزواج في نفس العام وانهيا خدماتهم العسكرية ليذهبا إلى استراليا، للعيش والاستقرار بها.

خلاصة هذه القصة تتمحور في قدرة الفرد على صناعة مستقبله متفرداً دون الأسرة فللإنسان قدرات عقلية عجيبة قل ما يوظفها لصالحه، وطموحها قادها إلى التجول في ثلاث قارات، كانت قد حُفّت بالمخاطر، عاشت في ظروف حرب، وقتلت بيدها مئات من الجنود، ولم يكن صوب عينيها سوى الدخول للتاريخ من أوسع أبوابه كبطلة، كل هذه الأحداث تقودنا إلى تساؤل بغاية الأهمية.. ما الذي جعل من شابة جميلة ومُبهرة وعلى قدر عالٍ من الذكاء، أن تترك أُسرتها وتذهب إلى مناطق الصراع؟

رُبما لسبب بسيط جداً، وهو أن فُرص وظروف طموحها كانت مُهيأة لها على أرض المعركة أكثر من المكوث في جلباب الأسرة الذي كان لا يُجدي نفعاً، فأحياناً تتحقق الطموحات على صوت المدافع، وتحت سماء امتلأت بالدُخان الكثيف كالضباب الفاتِن!