العلاقة بين المثقفين غالبًا ما تنحصر بين المتشابهين منهم في النتاج الأدبي، فمثلا تجد شعراء مع شعراء وكتاب مع كتاب والروائيين من أمثالهم وهلم جره، بمعنى أنه ليس هناك تمازج في العلاقات بين مبدعي الفنون المختلفة، وهي العلاقة التي لا بد أن تكون بل هي ضرورية من ضروريات التكامل الثقافي في أوجه وأجناس الفنون المختلفة. طرحت الرياض على عدد من أصحاب الاختصاص من شعراء ونقاد وأكاديميين سؤالا يقول: ما السبل والوسائل التي تجعل من هذه العلاقات علاقات تكاملية تخدم الثقافة والمجتمع في وطننا الغالي؟ أجابوا.. فماذا قالوا؟

"الجزر المنعزلة"

في البداية، تحدث لـ«ثقافة اليوم» د. بسيم عبد العظيم عبد القادر، أستاذ الأدب والنقد المساعد في قسم اللغة العربية في كلية التربية للبنات بالأحساء سابقًا، وكلية الآداب جامعة الملك فيصل سابقا، وكلية الآداب في جامعة المنوفية حاليًا، فقال: «غالبا ما تنحصر العلاقة بين المثقفين بين المتشابهين في النوع الأدبي كالشعراء مع الشعراء وكتاب القصة والرواية مع أمثالهم، ولا عيب في ذلك على الإطلاق، بل هو شيء مطلوب تعمل على تقويته مهرجانات الشعر ومسابقاته، وكذلك بالنسبة للرواية والقصة القصيرة وغيرهما من الأجناس الأدبية كالقصة القصيرة جدًا والقصة الومضة والقصيدة القصيرة جدا أو فن الأبيجرام، فكل هذه الأنواع لها روابطها الأدبية ومجموعاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، ومما لا شك فيه أن ذلك يعود على هذه الفنون الأدبية وأصحابها بالفوائد الجمة، سواء على مستوى المملكة العربية السعودية أو غيرها من البلاد العربية في الخليج العربي أو في المغرب العربي وما بينهما كالعراق وسورية ولبنان والأردن ومصر والسودان وليبيا، ويمكن التغلب على هذه الجزر المنعزلة بإقامة المهرجانات الكبرى، كالجنادرية في السعودية، والمربد في العراق، ومهرجان الشارقة الثقافي، والمهرجانات التي تقام في القاهرة وتونس كمهرجان القيروان والجزائر والمغرب، ومؤتمرات الجامعات العربية على امتداد رقعة العالم العربي، وخصوصا المؤتمرات الدولية التي تضم عددا من الأساتذة في الجامعات العربية المختلفة، الذين يطبقون النظريات النقدية على الإبداع في بلدانهم المختلفة، كذلك يمكن التقريب بين المثقفين في المملكة خصوصًا والدول العربية عمومًا عن طريق اتحادات الكتاب في الدول العربية كلٌّ على حدة، وعن طريق اتحاد الكتاب العرب بتنشيط هذه الاتحادات وتقويتها ودعمها من الدول العربية المختلفة.

ويمكن تفعيل التواصل بين المثقفين العرب عن طريق المجامع اللغوية في الدول العربية كل على حدة، واتحاد المجامع العربية ومؤتمراتها التي تضم صفوة المثقفين والأدباء والنقاد واللغويين.

وتؤدي الأندية الأدبية في المملكة دورًا مهما في توحيد صف المثقفين، وكذلك مؤتمرات المجلس الأعلى للثقافة بمصر، ومؤتمرات الأدب السنوية على مستوى الأقاليم من جهة وعلى مستوى الجمهورية من جهة أخرى».

"الذوات المتشابهة"

ويقول الشاعر جاسم عساكر: لكل فرد في الحياة وعلى الصعيد الواقعي أهل وعشيرة، وكذلك هي الحال على كل الأصعدة: الأدبي والفني والجمالي، فالشاعر كمثال ينتسب لقبيلة الشعراء، والفنان التشكيلي لقبيلة الفنانين، وهكذا دواليك..

وعلى الرغم من أن ذلك لا يشكل ظاهرة متفشية، إلا أننا مع افتراضه، فإنه هو الأمر الطبيعي الذي يضم أصحاب الهواية الواحدة ليشكلوا فريقاً واحدا أو علاقات فيما بينهم؛ نظراً لأن كل ذات إنسانية تبحث عن نفسها في الذات المشابهة لها، ولذلك نجد من يعبر أحيانا (أنا لا أجد ذاتي مع فلان، أو لا أجدها في المكان الفلاني)، وهذا في حد ذاته يدلل على ميول الفرد إلى شبيهه كي يجد ذاته، وذلك نظراً لوجود القواسم المشتركة التي تجمع بين شبيه بشبيهه في الفنون، لكن المعيب أن تتحول العلاقة بين الأفراد في الهم الواحد إلى علاقة متطرفة أحادية في الرأي والنظرة، حيث لا تدرك أن الحياة تتسع لأكثر من فن، فتبدأ في التصدي للدفاع عن حياض فنها، وربما تتجاوز إلى الهجوم على الفنون الأخرى. وهذا هو ما يجب التنبيه عليه والانتباه إليه، فمنه تتولد الشللية الممقوتة التي تصادر من يخالفها في الرأي، وأعتقد أننا لكي نتجاوز هذه الحالة علينا رفع منسوب الوعي لدى كل جماعة أنها ليست الوحيدة التي تصنع المشهد الأدبي والثقافي، بل لا غنى لها عن أصحاب الفنون الأخرى، بل إن الأمر يتطلب في أغلب الأحيان تعاضد أكثر من فن لصناعة جنس أدبي أو فني معين، فالأغنية مثلا لا يمكن لها أن تتم من دون مشاركة الشاعر والفنان والملحن، وكل منهم في حقل، وكذلك هناك فن (لوحة وقصيدة)؛ حيث يشترك الفنان التشكيلي والشاعر، بل إن الأجناس الأدبية تداخلت بشكل كبير ليصل ذلك حتى إلى العناوين والمسميات، فنسمع عن مصطلح (القصيدة الممسرحة، أو القصيدة السردية، أو القصيدة الدرامية)، في المقابل نسمع (الرواية المشعرنة، المسرح المشعرن) كدليل على التعاضد والتآزر بين الفنون، وأن جميع أصحاب الفنون ينتمون إلى قبيلة واحدة اسمها (الثقافة) أو عشيرة اسمها (الأدب). وهذا أيضا ليس نهاية المطاف، بل يقع العبء في توحيد هذه الفنون ولَمِّ شمل هذه الأشتات على عاتق المؤسسات الثقافية والملتقيات ذات الأطياف المتعددة في قالب واحد، حيث يجتمع الشاعر بالقاص بالمسرحي بالفنان ليرسموا اللوحة الفنية التي تتجاور فيها الألوان، وتعكس منظراً جماليا واحدا يرتضيه الجميع، لنجد شريان العلاقات يدب بالنبض في صنع الصداقات، وعقد اللقاءات التي تجمع أصحاب الفنون المختلفة تحت مظلة واحدة.

"التنوع والانفتاح"

وقال الشاعر عبدالله العويد: عَلاقات المتشابهين كتابياً لا أؤيّدُها إلا أحيانا.. لظروف! فالانفتاح بين الزملاء المثقفين والأدباء مطلوبة، وفيها كلٌّ يستفيد من الآخر لمعرفة كل جديد، فيحلو للشاعر الاستماع لأخيه الناثر المقالي أو السردي القصصي والروائي والتشكيلي، ويتم عرض الأفكار والاستشارة في اللقاءات، وتبادل الإهداءات الثقافية، وهذا ما أراه في لقاءات مجالس بيوتات الأحساء ومزارعها، وفي جمعية الثقافة والفنون؛ لذا لا مانعَ من وجود تزاور خاص واجتماعات بينَ الشعراءِ أنفُسِهم، وكذلك أهل السّرْد وأهل الرّيشة. لكن لا بُدّ من التنوع في معظم اللقاءات.

"البؤرة الواحدة"

وتحدثت الكاتبة إلهام الجبارة بقولها: نعبث بسطحية إن اعتقدنا أن ذهناً واحداً متمكناً من الإحاطة بجُلِّ العلوم التي استحدثها العقل على مر الزمن، فالطبيعة نفسها قد وزعت الحقائق متفرقة كلٌّ على حدة. ولم تحصرها في ذهنية منفردة، وإلا انعدمت غائية النسيج المجتمعي بالمجمل، ولا يعني ذلك أن العقل غير ذي سعة للعلم مهما كان حجمه! وهذا ما أثبتته الأيام؛ حيث إنه يتصاغر قسراً بعد مدة من الانكشاف، ويفقد بريق إبهاره الأول تباعاً. ومهما كان الجديد معقداً، إلا أن العقل قادر على تفكيك ذلك التعقيد مع مرور الزمن.

الجبارة : التشعب يقصي غائية التعارف

بل يغدو غير مصدق أنه كان لوهلة لم يستطع استيعابه في السابق. كل ذلك يقودنا إلى أن هناك خطة تكاملية مختبئة وراء الستار، وهي المغزى من ذلك التشعب؛ حيث إنها تُعلن صِرَاحاً ضرورة التزاوج المعرفي والتبادل الفكري لاكتمال الرؤى وتجهيزها للولوج في حيز المنظور.

وبدا ذلك جليّا منذ التأريخ الإنساني المُبكِر، حيث التبادل المعرفي كان المظهر الأبرز للعلم والتنوير وليس قاصراً على فئة دون أخرى. ومن قبيل ذلك العلاقة بين الشعراء والأدباء والكتاب التي لم تكن بعيدة عن تلك الأجواء، ولم تكن دون ذلك أيضاً، فمن كان بارعاً في منحى لم يستغن عمن أبدع في منحى آخر.

التقوقع في بؤرة واحدة ثم التركيز عليها دون سواها ليس خياراً موفقاً ألبتة، فمن يريد أن يبدع يأبى الدوران حول النقطة نفسها مراراً وتكراراً، فلا بد له أن يحلق بين الفينة والأخرى بعيداً خارج السرب ليتلقف الجديد والغريب والمبهر ما أمكن حتى يضمن استمراريته في الأذهان أطول فترة ممكنة، وبرغم أن الموهبة كافية نسبياً لخلق كل ذلك في فترة وجيزة، لكن بحسبة بسيطة نجد أن سياسة الصيّاد القافزة باستمرار مغيرةً مكان الاختباء حسب موقع الفريسة هي التمظهر الفعلي للموهبة والضمان الوحيد لإصابة الهدف وتحقيق المطلوب من التنوير الفعلي العابر بنا نحو المستقبل المأمول.

عساكر: التشابة يجند ذوات المبدعين
العويد: الخصوصية لا تلغي التنوع