تعتل القلوب، وترتبك العواطف، وتهتز بعض العقول حين يغشاها مركب رحب الآفاق، ومتسع الأبعاد، وبالغ التأثير، ومتعدد المعاني، ومتنوع السياقات.. ومفهوم «الفتنة» شاهد على ذلك..

ذاك المصطلح الذي ورد عشرات المرات في عشرات السور والآيات يعطينا دلالة مهمة ومضيئة حول واقع هذه التعددية في المعاني بصرف النظر عن انتقاء مقصد رئيس، أو معنى محدد فكل ما أتت به الآيات الكريمات هو معنى وسياق يقف المتأمل حائراً بينه، ووجلاً أمامه.

الفتنة متلازمة عقلية تدبرية، ومسلّمة عاطفية إيمانية فبكل ما يتم تحرير تعريفاتها، وتعدد مشتقاتها التي وردت في القرآن الكريم في ستين موضعاً.. وجاءت في ستة وثلاثين موضعاً بصيغة الاسم، وأربعة وعشرين موضعاً بصيغة الفعل.. تبقى سنة كونية في هذه الحياة، لا تخلو منها حياة أمة، ولا مجتمع، ولا فرد يقول عز وجل: «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون».

شدد الفقهاء أحكامهم، والعلماء أطروحاتهم فيما يتعلق بالفتنة، وبنوا منظومتهم الفقهية والعلمية على أساس حفظ الإنسان.. لذا هي لا تخلو من مقاصد مختلفة.. متواجهة.. متجابهة تكمن قرباً وبعداً بين الأمن، والسكينة، والخير، والنقاء من جهة.. والخوف، والقلق، والشر، والكدر. يقول تعالى: «ونبلوكم بالشر والخير فتنة».

يقع المتأمل اليوم فيما يحدث حوله يقع في حيرة متجذرة.. يتأرجح بينها بين قطبي الفعل والترك.. الوقوف والجلوس.. التألم والتأمل.. بين فقه يعزم على التضاد، وفقه يعزل الآحاد..

وحين يصل المرء إلى التأزم في فهم واقع مفتون بمستغربات، وأحوال مليئة بالمتغيرات ستجده مترنحاً أمام احتواء الحقائق الكامنة خلف كل حدث يهرول حوله.. فيُصدم عقله، ويعلق فؤاده في الغرابات. لذلك عليه الفرار، والركض بعيداً عن الانغماس في بؤر الجذب الفاتنة، ولينأى بنفسه عن الدخول في متاهات الغفلة، ومساقط الافتتان، وليعترك حياته بنفحات من الصبر، والجلد، وكف الأذى عن نفسه وغيره.

حقيقتنا تبدأ من معرفتنا بقدرية الأقدار، وكونية التسيير، وحدود التخيير.. كل فرد هو صامت تغمره الحياة بفِتنها هو في داخله سيحمل ضجيجاً من الثرثرة العشوائية التي يقف بعدها عاجزاً عن تفهم، وإدراك، واستيعاب فتن تحوم حول رأسه.

ويبقى القول: لكي لا تسقط وحيداً كن بعيداً فأنت خصيم لنفسك ستعقل ما يجري، وأنت مرهون بفعلك وما تكسب ستعرف قدرك.. نعم فقه الفتن هو فقه بالحياة، والقدر.. ومنطلق ذاتي يتم تشكيله عبر حالة الوعي، ونور اليقين، وغاية تسمو بحب الخير للناس أجمعين.