القادة العظام لا يدخلون في التفاصيل.. لا يغرقون بما هو روتيني.. لا تسرقهم اللحظات العابرة.. يرسمون المستقبل ويستشرفونه قبل وقوعه.. سابقون لعصرهم.. ويتجاوزون في رؤاهم رؤى المنغمسين في اليومي والمؤقت.

منذ كان الملك سلمان في بدايات عمله الحكومي كان استثنائياً في جميع المهام التي تولاها.. لم يك مجرد أمير منطقة.. بل كان الشعب يلقبه بـ»حاكم نجد» مع ما يحمله هذا اللقب من دلالات عميقة يدركها السعوديون.. وكانت حكايات حكمه ومباشرته لهموم الناس وسجالاتهم ومعاملاتهم مادة دسمة في الحديث عن «الأسرة الحاكمة» وهو الذي يمثل هويتها وعاداتها وتقاليدها واعتزازها.

كان مثالاً لكل صفات الالتزام والدقة ورسخ مفاهيم الانضباط في العمل.. وعندما وقف ضد الفساد لم يك لديه ما يواريه.. ولم يجد المتربصون ما يذكرونه به، رجل النزاهة والحزم والتاريخ المهني المشرف.

ليست المسألة في المشروعات العظيمة التي دشنها، فقد لا تحقق كل الأرقام المتوقعة، بل في الروح الجديدة التي بثها في كل مواطن، وفي التفاؤل الذي نشره، وفي الفرص التي تفجرت، وفي القرارات التي ما كان لأحد أن يتوقعها.. وفي الخطوات الاستثنائية التي قد تصل في تأثيراتها إلى المحيط الإقليمي والدولي.. والحرب على الفساد أبرزها؛ حيث تفشت في المنطقة ثقافة مطاردة الفاسدين، ووجد الكثير من الحكام أنفسهم في مواجهة ثقافة جديدة انطلقت من الرياض لتعم العواصم وتحرض الشعوب العربية ضد الفاسدين.

من كان يتخيل أن نمر بهذا التحول المذهل خلال مدة لا تذكر في دورة التغير الاجتماعي.. أن نصبح وجهة للفرح والإنجازات المتتالية وبهذه السرعة؟ وأين كنا قبل عام.. أو عندما أعلنت الحكومة عن رؤيتها الجديدة التي أصبحت رؤيتنا؟.. ثم أين أصبحنا؟

أكثر المتفائلين كان سيتوقع ظهور ملامح الرؤية بعد خمس سنوات على الأقل، لا أحد على الإطلاق كان يتوقع أن تورق في عامها الأول.. وتخطو كل هذه الخطوات الاستثنائية.

أتحدث عن بلد غفا 30 عاماً حتى كاد ينسى مفاتيح الفرح والتفاؤل.. بلد كان الجميع يعتقد أن محيطه قد تمكن منه، وأن العالم الأول قد ابتعد عنه، وأن أبناءه لا يمكن أن ينفضوا الغبار عن واقعهم.. وإذا بهم في هذا العهد الاستثنائي وخلال أشهر يحملون رؤيتهم الجديدة نحو مستقبل استثنائي تتشكل ملامحه بشكل مذهل.