أتوقع بإذن الله في السنوات العشرين المقبلة سيخلق إنسان عربي ومسلم جديد.

بين فترة وأخرى أدخل على اليوتيوب وأتفرج على الماضي القريب (السنوات العشرين الماضية)، أحداث وقصص ومحاضرات ونصائح وفتاوى وحكم ومسلسلات وخطب زعماء، فأرى أن المسافة التي عبرناها كبيرة وفي بعض النواحي يمكن القول إن هناك قطيعة بين إنسان اليوم وبين الإنسان الذي كنا عليه قبل عشر سنوات. فأسأل: ما الذي يمكن أن يكون عليه إنساننا بعد عشرين سنة من الآن؟

عندما تقرأ الماضي والحاضر جنباً إلى جنب سترى أن قيماً كانت شبه مقدسة تتوارى من أهمها وأكثرها خطورة قيمة الارتهان، لا تشعر أن الشباب في أيامنا هذه رهينة قيادات كما كانوا قبل سنوات قليلة، سلوك القطيع على وشك الانتهاء، يتزايد الإحساس الفردي قوة ومتانة، إحساس الإنسان باستقلال ذاته، فكما جاء إلى هذه الدنيا وحيداً وسيغادرها وحيداً وسوف يحاسب يوم الحساب وحيداً فلماذا لا يعيش حراً مستقلاً يقرر ما يراه بلا تبعية، الحرية هبة من الله، لا يلزم نفسه بدفء القطيع سوى الكائنات الضعيفة أو المعزولة.

أتفرج على اليوتيوب وأقرأ تويتر وغيرهما فألاحظ تزايد روح الاستقلالية بشكل مطرد وكبير، الأغلبية تضع تعريفاً للذات والتوجه الفكري والثقافي يشي بذلك، بعض الشباب يعرف نفسه بطريقة فلسفية وآخر بطريقة ساخرة وثالث يؤكد على استقلاليته بصريح العبارة، يقابله تناقص في أصحاب الشعارات الجمعية، حتى هؤلاء ستلاحظ على بعضهم ميلاً لتعريف نفسه بعبارات تنأى به ولو قليلاً عن القطيع.

قبل سنوات قليلة كانت معرفة العالم محدودة في فئة قليلة من الناس تملك المال أو الفرصة، يقضون صيفياتهم في لندن وباريس. كان الاستقلال المنبعث من الاحتكاك والمعرفة حكراً عليهم، انقسموا، بعضهم صار ليبرالياً وبعضهم يبارك قيادات القطعان ويتحالف معهم لتعزيز مصالحه.

عندما تطالع التوجهات الجديدة اليوم سترى أن عالماً بكامله ينهار، يحل محله عالم لا يسمح بروح التبعية أن تنمو، قوانين اللعبة تغيرت، كثرة المصادر وكثرة الأقاويل والإشاعات والتناقضات وسقوط المسلمات وفقدان الثقة في القيادات وتلاشي الأفكار البراقة فرض على الإنسان أن يبحث عن الحقيقة في مكان آخر، صار الإنسان يلجأ إلى عقله مرغماً، صحيح بعضهم ما زال يستخدم أدوات قديمة في التفكير ولكن هذا أيضاً سوف يزول عندما تفشل هذه الأدوات في مساعدته على تفسير الواقع الذي يعيش فيه.

في بداية السوشل ميديا هللت قيادات القطيع وأصحاب المصالح صارخين أن وسائل الإعلام مشاعة لا يحتكرها عدد قليل من الناس لتسخيرها لفئة من أصحاب التوجهات، نسي هؤلاء في خضم التهليل أن السوشل ميديا متاحة أيضاً للآخرين. متاحة لهؤلاء ولهؤلاء وللنصابين والفسقة وأصحاب الأجندات المشبوهة وللأعداء والأصدقاء وكل من هب ودب.

بعد عشرين سنة سيخلق إنسان جديد لا نعرفه ولا يعرفنا.