غياب الفكر النقدي المُسائل والمُحاجج؛ والارتهان للإجابات الجاهزة والوثوقية بشكل عاجل أفقدنا متعة البحث وقبلها الوصول للحقيقة -أو ما نرى أنّه حقيقة- بطريقة تدعو للطمأنينة والتسليم بالنتيجة التي قادنا لها فكرنا وتصوّرنا العقلي. ولذا فإنّ كثيراً مما نعُدّه مسلّمات قد يأتي يوم تهتزّ فيه وتتخلخل وتصبح في مواجهة صارمة وتحدٍّ سافر لإثبات صحتها من عدمه.

من هذه المواضيع الشائكة موضوع «ماهيّة الفلسفة»، وهو على غناه وتنوّعه وثراء ما يثيره من نقاشات وجدل عقلي لم يضع لنا إجابة شافية عن ماهيتها ومرامها ودورها في حياتنا العقلية والفكرية. فبالرغم من كثرة ما كُتب حولها فإنها تظلّ ضبابية المعنى والطرح ولا يخرج منها القارئ بحصيلة تجعله يطمئن ويشعر فعلاً بأنّه قبض على جمرة المعنى والحقيقة المُبتغاة.

وقد تعدّدت الآراء حول الفلسفة وماهيتها وكثرت تعريفاتها وتشعبت بطريقة تبعث الحيرة أكثر من الاطمئنان والتسليم بتعريفها بدءًا بالتعريف الكلاسيكي لها بأنها: «حب الحكمة» وغيرها من التعاريف مثل: «الإعداد للفكر النقدي وللاستقلال»، « الأسلوب المتماسك في التفكير» أو «فن التفكير» المتجذّر في موقف «الدهشة» و»التساؤل». هذه بعض التعريفات التي لا تزال موجودة في كل الكتب التي وُضعت لتكون مدخلاً إلى الفلسفة.

من أفضل من تصدّى لهذا الموضوع الفلسفي المهم هو المفكّر والفيلسوف الفرنسي لوك فيري الذي أدرك حاجة العقل الإنساني لكتاب عن الفلسفة وماهيتها وأهمية دورها في حياتنا بعد استشعاره شدّة جفاف الكتب الفلسفية وصعوبتها؛ فالكتب الموجودة رغم أنّ بعضها ممتاز، لكن أفضلها حسبما يشير فضلاً عن صعوبتها فهو شائك بالنسبة لقارئ أصبح خارج الوسط الجامعي أو بالأحرى لمن لم يدخله بعد. ولذلك فقد تعهّد لوك فيري بأن يروي تاريخ الفلسفة، في كتابه المهم «تعلُّم الحياة» وقطع فيه وعداً للقارئ بعرض كل هذه الأفكار بطريقة واضحة تماماً من دون لغة متخصصة، وأن يذهب إلى أبعد من ذلك وإلى ما هو أكثر عمقاً وتشويقاً.

الكتاب جاء في لغة رقراقة وسهلة لكنها سهولة تنأى به عن التبسيط المُخل ، فهو لم يتنازل أمام متطلبات التبسيط خصوصاً إذا كان من شأنها أن تقود إلى تشويه عرض الأفكار العظيمة؛ وقد اقترح لوك في كتابه أسلوبي المشافهة والتلقين الأسهل تناولاً، لافتاً إلى أنّ مسعاه هذا لا يهدف إعطاء مذاق مسبق منها أو طلاء سطحي لمّاع أو حتى لمحة مُحرَّفة لضرورات التعميم فقط، بل للمساعدة الجادة لاكتشافها كما هي في حد ذاتها.

يرى لوك أن من العيوب الرئيسية للمرحلة الحاضرة تحجيم الفلسفة إلى حد جعلها فقط نوعاً من «التفكير النقدي» أو من «نظريات المحاجّة» مع تقديره لقيمة التفكير والمحاجة فهو يعتبرهما ضرورتين في إعداد المواطن الصالح القادر على المشاركة بشيء من الاستقلالية في حياة المدينة، ولكنهما لا تعدوان كونهما وسيلتين لغايات غير الفلسفة -لأن هذه الأخيرة كما يعتقد- ليست أداة سياسية ولا هي عُكّاز للأخلاق.

من الآراء اللافتة التي يقدمها الكتاب هي أن الفلسفة خلافاً لرأي سائد هي فنُّ إيجاد الأجوبة أكثر منها فن إثارة الأسئلة، كما أنها تعدنا بمساعدتنا في «إنقاذ» أنفسنا والتغلّب على مخاوفنا ووساوسنا بذواتنا وبقوانا الخاصة لدى استعمالنا عقلنا فقط؛ وأن الفلسفة تستطيع وببساطة مساعدتنا على العيش بشكل أفضل وأكثر حرّيّة؛ فنحن لا نتفلسف للتسلية ولا حتى فقط لكي نفهم العالم ونفهم ذواتنا بشكل أفضل، ولكن لنحمي أنفسنا في بعض الأحيان، إذ في الفلسفة ما يساعد على قهر المخاوف التي تشلّ الحياة.