إن من يبدأ الصراع بأي شكل أو طريقة أو أسلوب سيكون أول الخاسرين. فالدول المتضررة والمستهدفة من ذلك الصراع قد تصبر بعض الوقت، ليس عجزاً أو خوفاً، وإنما لتعيد ترتيب أولوياتها وتشكيل تحالفاتها بما يحقق أهدافها..

تصاعد كبير في عدد ومستوى ونوعية الصراعات التي تشهدها المنطقة والتي وصلت لمرحلة متقدمة جداً منذ بداية 2018م. صراعات يزداد عددها بين مختلف الفاعلين سواءً كانوا دوليين أو غير دوليين. وصراعات يختلف مستواها وتتنوع درجاتها بحسب أهميتها وبحسب نوعية وطبيعة المواضيع التي يتم تداولها وطرحها والنقاش حولها. هذه الصراعات التي لم تصل حتى الآن لمرحلة الصدام المسلح بين الفاعلين الدوليين، ساهمت بشكل كبير جداً في إعادة تشكل التحالفات الدولية في المنطقة. إنها مرحلة من مراحل تطور السياسة الإقليمية عندما تعمل الدول على تحقيق أكبر قدر من المصالح وتقليل الخسائر الى أقصى حد ممكن؛ وهذا بطبيعة الحال يتطلب تحالفات بشكل معين وطبيعة محددة.

من هذا المنطلق، نرى أن مرحلة إعادة تشكل التحالفات الإقليمية تأثرت بعدة متغيرات؛ فإما أنها تأثرت بالموقع الجغرافي، أو تأثرت بالموضوعات، أو تأثرت بتوجهات الفاعلين من غير الدول. ويمكن أن نرى ذلك في عدة حالات قائمة.

ففيما يتعلق بتأثير الموقع الجغرافي، من الممكن أن نرى عدة حالات منها مثلاً، أن بعض الدول تتصارع مع إيران في العراق وسورية ولبنان وبعض دول وسط آسيا وبعض دول شرق القارة الإفريقية، بينما تتفق معها في دعم قطر لمواجهة دول المقاطعة.. وأن إيران تتصارع مع المملكة في العراق وسورية ولبنان واليمن وبدعم قطر وبتدخلها في بعض الدول العربية كالبحرين وبعض دول شمال وشرق القارة الإفريقية. كذلك تتصارع إيران مع مصر في فلسطين واليمن وبعض دول شمال وشرق القارة الإفريقية؛ بينما تتفق معها في سورية. هذه بعض التقاطعات في المواقف السياسية التي بين الدول والتي تتأثر بالموقع الجغرافي وتؤثر في إعادة تشكيل التحالفات.

أما فيما يتعلق بتأثير الموضوعات، فإن موضوع التطرف والإرهاب يعتبر هو الموضوع الأكثر تأثيراً في مرحلة إعادة تشكل التحالفات. فما بين دول تواجه الإرهاب ودول تدعم وتتبنى الإرهاب تتأثر طبيعة المرحلة. ويمكن أن نرى ذلك في عدة حالات قائمة منها: أن المملكة تتحالف مع مصر لمواجهة التنظيمات الإرهابية مثل الإخوان والقاعدة وداعش والمليشيات الإيرانية الطائفية والمتطرفة؛ بينما تتصارع المملكة مع إيران التي تدعم القاعدة وداعش وبعض فصائل الإخوان وميليشيا الحوثي في اليمن وحزب حسن في لبنان والمليشيات الإيرانية الطائفية والمتطرفة في بعض الدول العربية. كذلك تختلف المملكة مع بعض الدول التي تدعم وتؤيد الإرهاب في بعض الدول العربية.. إنها عملية معقدة من التحالفات.

أما فيما يتعلق بتأثير الفاعلين من غير الدول، فعلى الرغم من ارتباط هذا المتغير بدولة إيران، إلا أن تأثيره كبير جداً في مرحلة إعادة تشكل التحالفات. فإيران التي دعمت وتبنت عدة ميليشيات إرهابية مثل جماعة الحوثي في اليمن وحزب حسن في لبنان وتنظيم داعش في العراق وسورية وبعض فصائل الإخوان وعدد من الجماعات المتطرفة في بعض الدول العربية، استطاعت أن تؤثر في المشهد السياسي في الدول التي تتواجد فيها هذه الميليشيات حتى أصبحت بعض هذه الدول العربية تتخذ مواقف سياسية موالية لإيران وضد المصالح العربية. كذلك عملت إيران من خلال هؤلاء الفاعلين من غير الدول إلى إرباك المشهد السياسي التقليدي.

وفي الختام يمكن القول إن من يبدأ الصراع بأي شكل أو طريقة أو أسلوب سيكون أول الخاسرين. فالدول المتضررة والمستهدفة من ذلك الصراع قد تصبر بعض الوقت، ليس عجزاً أو خوفاً، وإنما لتعيد ترتيب أولوياتها وتشكيل تحالفاتها بما يحقق أهدافها. فمرحلة إعادة تشكيل التحالفات ستغلب فيها المصالح على الأيديولوجيا والمنافع على الشعارات والأمن والسلم والاستقرار على الخطابات العاطفية. إنها مرحلة ستفرض واقعاً جديداً بتحالفات لم تكن معتادة ولمستقبل لم يكن متوقعاً. إنها مرحلة مهمة جداً لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية؛ فكيف ستكون، وما هي نتائجها المتوقعة؟