ليست مجرد جدلية، فكل المؤشرات تقول إن موازين الثقافة تتغير، وإن القراءة تنحسر.. وإن واقعاً جديداً للتلقي بدأت ملامحه في الاتضاح.

لكن دعونا نتجاوز هذا، ونتساءل عن أنماط البنية الثقافية للأجيال الجديدة. فالتغيير الذي يحدث في وسائل التغذية الثقافية والمعرفية لا بد أنه يستصحب تغييراً في النتائج النهائية. والواضح أن قدرات الشباب ومعارفهم تتجه بقوة صوب مهارات الحاسوب والتقنيات المتفرعة منه، وهذا مكتسب لم يتح لأجيال سابقة أن تنهل منه، ولذلك يمكن القول: إن أوعية المعلومات باتت أفضل مما كانت عليه سابقاً، وإن مهارات الشباب في التعامل مع التقنية قد حققت قفزات غير مسبوقة في هذا المجال.

لكن الصورة لم تكتمل بعد، فمثلما أن التقنية قد أسهمت في تسهيل التلقي والتواصل وبلوغ مكامن المعرفة والمعلومة.. مثلما أفرزت هذه التقنية واقعاً عجيباً في حياة الناشئة أو الكثير من شبابنا.

فالمخرجات الفعلية حتى الآن تشير إلى أن مهارات الكثيرين محبوسة في نطاق التشغيل والمقدرة على التعامل مع هذه التقنيات، في حين أن الاستفادة الحقيقية من المحتوى المعرفي ما زالت شديدة الضعف.

بل إن من النتائج المدهشة التي نلحظها.. ضعف التحصيل الأكاديمي رغم المناهج المتطورة حالياً، حتى بات الحديث عن خريجي الأمس من التعليم العام يشير صراحة إلى تفوقهم عن خريجي التعليم الجامعي حالياً.

كذلك يلحظ البعض أن العمليات الحسابية البسيطة كالجمع والطرح والضرب باتت تحتاج الحاسبة الإلكترونية لدى الكثير من الشباب، في حين أن الأمر كان مهارة عقلية عادية لدى الأجيال السابقة دون حاجة لأي حاسبة إلكترونية.

ثم إن مواقع الاستفادة من المحتوى التثقيفي والمعرفي الجاد لم تشهد إقبالاً حقيقياً رغم أن الوصول إليها بات ميسوراً قياساً بما مضى، وحتى حين يحدث هذا الإقبال فإنه يكون محصوراً في الباحثين عن استكمال المتطلبات البحثية والأكاديمية.. في حين يمارس الآخرون الهجر المتعمد لها، لتضيع الفرص الذهبية في اكتساب المعارف خصوصاً في عمر الشباب.

وتبقى الحقيقة الأليمة، وهي أن الكثير من المواقع غير المفيدة المتاحة على شبكة الإنترنت هي التي تحظى بإقبال الكثيرين، وبعضها ضار بكل معنى الكلمة، وهذا ما يزيد من احتمالات زيادة الفاقد التربوي، ويرمي بظلاله السالبة على الحصاد المستقبلي.

الموضوع يحتاج بحثاً جاداً تداركاً لتفاقم الوضع، رغم أن الصور الإيجابية ما زالت ولله الحمد موجودة.