تولي الدول جميعها هذا النوع من النزاعات أهميةً كبرى، وذلك بالحرص على توفير أعلى الوسائل التي تكفل للمكلفين ضمانةً كافيةً تحول دون تعسف الجهة المختصة بفرض وتحصيل الزكاة أو الضريبة على المكلفين، وحماية مراكزهم المالية من أن يتم التعرض لها دون سندٍ شرعيٍ أو قانونيٍ صحيح وثابت..

لم يسبق أن شهدت المملكة مرحلةً أكثر ولا أسرع تغيرات تنظيمية مثل هذه المرحلة التي سخرت كل الجهود والوسائل لتحقيق متطلبات الرؤية الوطنية الشاملة (2030)، سيما في المجال الاقتصادي الذي يفرض ضرورة إجراء الكثير من التعديلات في الأنظمة والسياسات المالية والنقدية القائمة.

ومن أبرز ما اتسمت به هذه المرحلة الإصلاحية الالتفات إلى مراجعة ومعالجة الأنظمة المتعلقة بفرض وتحصيل الزكاة والضرائب المتنوعة، التي تعتبر من أهم مصادر المال العام، الذي من خلاله تتمكن الدولة من الاستمرار في النهوض بواجباتها، والقيام بأعبائها التي تزداد مع الزمن اتساعاً وثقلاً.

والمتابع لمستجدات ومتغيرات الأنظمة الزكوية والضريبية، يدرك أنها من أكثر الأنظمة التي دخلت عليها التعديلات والتغيرات بدرجة أكثر بكثير مما حصل منذ تأسيس المملكة الحديثة.

وعلى سبيل المثال فإن أبرز وأهم تغييرٍ حدث أخيراً في الأنظمة الزكوية والضريبية يمكن الإشارة إليه في عنصرين أساسيين هما:

أنه فيما يتعلق بالزكاة ليس هناك منذ تأسيس الدولة أي نظامٍ خاص بجباية الزكاة، سوى أوامر سامية قديمة مكونة من حكمٍ واحدٍ أساسي هو (وجوب جباية الزكاة من المكلفين بحسب أحكام الشريعة الإسلامية) دون أي أحكام تفصيلية تنظّم هذه الجباية، سوى قرارات سابقة أصدرها معالي وزير المالية خاصة بجباية الزكاة، ولم تكن تلك القرارات تحظى باعتبار القضاء الإداري في ديوان المظالم، إلى أن صدر قرار مجلس الوزراء رقم 126 في 30 /2 / 1436هـ بإجازة العمل بها.

أما ما يتعلق بالضريبة، فقد كان هناك نوع واحد من الضريبة هو ضريبة الدخل التي صدر نظامها القديم العام 1370هـ، ثم صدر نظامها الحالي المعدل العام 1425هـ وما اشتمل عليه من أحكام لضريبة الاستقطاع.

أما خلال السنوات الأخيرة فقد صدرت العديد من الأنظمة واللوائح التي أضافت الكثير لميدان الأنظمة الزكوية والضريبية، فقد صدرت قواعد وإجراءات جباية الزكاة، بقرار وزير المالية رقم (2082) في 1 /6 / 1438هـ مستندةً إلى قرار مجلس الوزراء رقم (126) في 30 /2 / 1436هـ المذكور أعلاه. واشتملت هذه اللائحة تفاصيل وأحكام جباية الزكاة كافة التي تكفل تحديدها وتحصيلها.

كما صدر في ميدان الضريبة نظاما ضريبة القيمة المضافة، والضريبة الانتقائية، وأجريت العديد من التعديلات الجوهرية على نظام ضريبة الدخل ولائحته التنفيذية.

ومن المعروف عالمياً أن من أكثر أنواع النزاعات والخلافات التي تثور بين الأفراد وجهات الإدارة تعقيداً وصعوبةً هي المنازعات الضريبية، ومثلها في المملكة المنازعات الزكوية، وهي التي تدور حول اعتراض المكلفين على ما تصدره الهيئة العامة للزكاة والدخل من ربوط زكوية أو ضريبية، إما بسبب الخلاف على أساس تطبيق الزكاة أو الضريبة، أو الخلاف على تحصيلها.

وتولي الدول جميعها هذا النوع من النزاعات أهميةً كبرى، وذلك بالحرص على توفير أعلى الوسائل التي تكفل للمكلفين ضمانةً كافيةً تحول دون تعسف الجهة المختصة بفرض وتحصيل الزكاة أو الضريبة على المكلفين، وحماية مراكزهم المالية من أن يتم التعرض لها دون سندٍ شرعيٍ أو قانونيٍ صحيح وثابت.

وفي شأن النزاعات الزكوية والضريبية في المملكة، فقد كان النظام السابق يقوم على أساس حق المكلف في الاعتراض على ما تصدره هيئة الزكاة والدخل من ربطٍ زكويٍ أو ضريبيٍ بحقه، من خلال عدة إجراءات جاء تفصيلها في نظام ضريبة الدخل في المادتين (66 - 67) وفي لائحته التنفيذية في المواد (60 - 61 - 62) التي حددت بداية الاعتراض بأن يكون لدى نفس الهيئة العامة للزكاة، وفي حال تمسك الهيئة بصواب قرارها، يتم إحالة اعتراض المكلف إلى اللجنة الابتدائية لنظر هذه النزاعات، ثم بعدها اللجنة الاستئنافية، ثم يكون الطعن على قرار اللجنة الاستئنافية أمام ديوان المظالم بدرجتي التقاضي الابتدائية والاستئناف، وصولاً إلى النقض لدى المحكمة العليا الإدارية.

ورغم أن النص في هذا النظام كان خاصاً بإجراءات التظلم الضريبي؛ إلا أنه جرى إلحاق التظلمات الزكوية به لتطبق عليها نفس الآلية للاعتراض، واستمر على ذلك طيلة السنوات الماضية، وفق تفاصيل وفروقات يسيرة يعرفها المختصون.

إلا أن التعديلات الأخيرة التي صدرت على هذه الأنظمة الزكوية والضريبية، قد شملت كذلك إجراءات وآلية التظلم من قرارات الربط الزكوي والضريبي. ففي شأن الزكاة ورد في قواعد وإجراءات جباية الزكاة الصادرة عن وزير المالية، تنظيم إجراءات الاعتراض وذلك في الفصل الثامن من هذه القواعد، في المواد (22 - 23 - 24 - 25) وقد اقتصرت على الإشارة إلى التظلم أمام اللجان الابتدائية والاستئنافية فقط دون أي إشارة لحق التظلم أمام ديوان المظالم كما في السابق، بل جاء نص المادة (27) من هذه القواعد بما يشير ضمناً إلى أن قرار اللجنة الاستئنافية يكون نهائياً ولا يجوز الطعن عليه.

كما صدر أيضاً أخيراً الأمر الملكي الكريم رقم (م/113) في 2 /11 / 1438هـ الذي قضى بتعديل نص المادة (67) من نظام ضريبة الدخل الخاصة بتشكيل وإجراءات الاعتراض أمام لجان الاعتراضات الضريبية الابتدائية والاستئنافية، وقضى النص الجديد أن « تكون قرارات اللجنة الاستئنافية نهائية غير قابلة للاعتراض عليها أمام أي جهة قضائية أخرى».

وبالنظر إلى مجموع التعديلين المشار إليهما أعلاه بقرار وزير المالية في قواعد جباية الزكاة، والمرسوم الملكي في تعديل نظام ضريبة الدخل، يتضح أن المنظم السعودي اتجه إلى إلغاء درجات التظلم التي كانت مقررةً أمام ديوان المظالم سابقاً، والاقتصار فقط على التظلم أمام اللجنتين الابتدائية والاستئنافية.

وقد أحدثت هذه التعديلات بعض الارتباك لدى المختصين في تطبيق هذه الأنظمة، وصدرت على إثرها قرارات أو أحكام قضائية متباينة، بعضها أخذ بالتعديل وإلغاء مرحلة التقاضي أمام ديوان المظالم، وبعضها تمسك بما كان العمل عليه سابقاً، ولكلٍ من هذين الاتجاهين تعليلاته.

مما استدعى صدور قرار من وزير المالية برقم 1215 في 13 /2 / 1439هـ بتوضيح استمرار العمل على ما كان عليه سابقاً قبل هذه التعديلات، ومازال ديوان المظالم يستقبل دعاوى الطعن على قرارات اللجنة الاستئنافية، وذلك لأن الفقرة (رابعاً) من المرسوم الملكي رقم (م/113) نصت على أن تستمر اللجان الابتدائية والاستئنافية المنصوص عليها في نظام ضريبة الدخل - قبل التعديل - في ممارسة مهماتها وفقاً لتشكيلاتها الحالية، لحين إعادة تشكيلها وفقاً للنص بعد التعديل.

ومثل هذه التغيرات الجوهرية تؤكد ضرورة العناية التامة بتوفير كامل الضمانات الكافية والباعثة على الثقة لدى المكلفين، بعدالة وقانونية إجراءات وقرارات الربط والتحصيل الزكوي والضريبي، وذلك من خلال قوة واستقلالية وعمق خبرة اللجان التي سيتم تشكيلها لنظر هذه النزاعات.

كما أن هذه المتغيرات الكثيرة المتلاحقة والدقيقة، تبرز أهمية دور المحامين في توفير الخدمات القانونية الاستشارية الموثوقة لعملائهم من الأفراد والشركات من سائر المكلفين، لمساعدتهم على التماشي بشكل صحيح مع هذه الأنظمة والإفادة مما قررته لهم من حقوق وضمانات.